أنطونيو رزق

نظريات المؤامرة لن تموت

الوثائق الجديدة وتفكيك ألغاز اغتيال كينيدي

6 دقائق للقراءة
قبل لحظات من اغتيال الرئيس الـ 35 لأميركا (رويترز)

على الرغم من مرور أكثر من ستة عقود على عملية اغتيال الرئيس الأميركي الأسبق جون كينيدي، تلقى الأميركيون بحماسة كبيرة أخيراً خبر رفع إدارة ترامب السرّية عن السواد الأعظم من الوثائق الحكومية المتبقية المتعلّقة بعملية الاغتيال، إذ شكّل رحيل كينيدي الشاب في 22 تشرين الثاني من العام 1963، صدمة كبيرة للأميركيين الذين يشكّك الكثير منهم بالرواية الرسمية التي تفيد بأن قاتل كينيدي، لي هارفي أوزوالد، الشاب الأميركي الذي كان يبلغ من العمر 24 عاماً حينها، عَمِلَ وحيداً ولم يكن أداة «مؤامرة كبرى» تهدف إلى التخلّص من كينيدي، الذي خلقت له حيويّته الكثير من الأعداء الذين كانوا يملكون مصلحة في تصفيته. كما أن اغتيال أوزوالد من قِبل جاك روبي بعد يومين من اعتقاله، أبقى الكثير من الأسئلة من دون أجوبة.


لم تنقُض عشرات آلاف الصفحات من الوثائق التي رُفعت عنها السرّية الأسبوع الماضي، ما أكدته اللجنة الرئاسية الخاصة باغتيال كينيدي، المعروفة بـ «لجنة وارن»، في أيلول 1964، وهو أن أوزوالد كان يعمل في مبنى يقع في «ديلي بلازا» في مدينة دالاس في ولاية تكساس، وقد اتخذ من نافذة في الطابق السادس من المبنى موقعاً لإطلاق النار من بندقيته على كينيدي، الذي كان يمرّ في سيارة مكشوفة عبر «ديلي بلازا» في إطار جولة له في دالاس.


كما لم تتحدَّ الوثائق الجديدة القناعة السائدة منذ ذلك الحين بأن أوزوالد نفّذ عملية الاغتيال وحيداً. ولكن، تمنح الوثائق مزيداً من التفاصيل حول السؤال الذي طُرح عند اعتقال أوزوالد وما زال مطروحاً حتى اليوم، وهو ما إذا كان قد نفّذ العملية ضمن مخطّط شاركت فيه جهات معيّنة أم أنه خطّط لها بنفسه.


كان أوزوالد شاباً مضطرباً خدم فترة قصيرة في مشاة البحرية الأميركية وعبّر خلالها لزملائه عن إعجابه بالنظام الشيوعي وكرهه النظام الرأسمالي وبدأ يتعلّم الروسية، كما كان يُلقّب بـ «أوزوالدوفيتش»، ثمّ قرر تقديم طلب تسريح مبكر من البحرية والسفر إلى الاتّحاد السوفياتي لكي يكون جزءاً من «الثورة الشيوعية». عند وصوله إلى موسكو، عرض خدماته على ضباط من الـ «كاي جي بي»، الذين اعتبروا أنه غير مفيد ورفضوا بقاءه في البلد.


حاول أوزوالد الانتحار قبل حلول أوان عودته إلى أميركا، الأمر الذي أربك ضباط الـ «كاي جي بي» نظراً لاحتمال تسبّب ذلك في أزمة دبلوماسية مع واشنطن التي زارها الرئيس نيكيتا خروتشوف قبل أسابيع قليلة، فقرّروا إرساله إلى مينسك في بيلاروسيا حيث بقي لأكثر من عامَين تحت مراقبة دائمة، قبل أن يعود خائباً من «الحلم الشيوعي» إلى أميركا، ثمّ يقتل كينيدي بعد حوالى سنة ونصف. تجدر الإشارة إلى أن أوزوالد حاول قبل أشهر من اغتيال كينيدي أن يقتل الجنرال المستقيل إدوين ووكر بواسطة البندقية نفسها التي قتل بواسطتها كينيدي، لكنه لم يصبه.


في أعقاب اعتقال أوزوالد، سارعت موسكو إلى إبلاغ واشنطن بعدم علاقتها به، إذ أثارت الفترة التي عاشها الأخير في الاتحاد السوفياتي شكوكاً بأن تكون العملية جزءاً من «مؤامرة شيوعية»، لكن لم تبيّن أيّ من الوثائق التي نشرت سابقاً أن الاستخبارات السوفياتية كانت تتواصل مع أوزوالد أو تتحكّم به قبيل مقتل كينيدي.


تكشف الوثائق الجديدة أن الضابط الرفيع المستوى السابق في الـ «كاي جي بي» وعضو مجلس الدوما حالياً فياتشيسلاف نيكونوف، وهو حفيد وزير الخارجية السوفياتي في عهد جوزيف ستالين، فياتشيسلاف مولوتوف، قد قال للبروفيسور الأميركي إي بي سميث، الذي كان يعمل مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، خلال لقاء بينهما في موسكو عام 1991، إنه «درس شخصياً» ملفات الاستخبارات السوفياتية المتعلّقة بأوزوالد وكوّن قناعة بأن الأخير لم يكن في أي وقت تحت سيطرة الـ «كاي جي بي»، مبدياً شكوكه في أن يكون أحد قادراً على التحكّم بأوزوالد.


لكن، ونظراً لتمكّن الأخير من إصابة رقبة كينيدي ورأسه بدقة من مسافة غير قصيرة بواسطة بندقية عادية، عبر إطلاق ثلاث طلقات أصابت اثنتان منها أهدافاً قاتلة، كان لافتاً حديث نيكونوف عن أن التقارير المتعلّقة بمراقبة الـ «كاي جي بي» لأوزوالد خلال الفترة التي أمضاها في مينسك تفيد بأنه كان سيّئاً في الرماية.


على صعيد آخر، توضح الوثائق الجديدة بعضاً من الغموض الذي لطالما أحاط بتصرّفات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية المُتّهمة من قِبل البعض بأنها خطّطت لاغتيال كينيدي، ومن قِبل البعض الآخر بأنها كانت تراقب أوزوالد وكانت على علم بنواياه، لكنها غضّت النظر.


وبينما كان أوزوالد قد ذهب إلى مكسيكو سيتي في الأشهر التي سبقت الاغتيال، حيث حاول الحصول على تأشيرة دخول إلى كوبا من السفارتين الكوبية والسوفياتية بهدف الانضمام إلى «الثورة الشيوعية» بقيادة فيدل كاسترو في هافانا، أكّدت الوثائق الجديدة أن الوكالة كانت تتنصّت على اتصالات أعضاء في البعثتين الدبلوماسيتين الكوبية والسوفياتية في العاصمة المكسيكية. كما كشفت الوثائق أن الوكالة كانت تراقب السفارتين السوفياتية والكوبية في مكسيكو سيتي. ولكن، لم يظهر اسم أوزوالد في وثيقة خاصة بالوكالة تحتوي على لائحة الأشخاص الذين كانت تتنصّت على اتصالاتهم في المكسيك.


توازياً، أظهرت إحدى الوثائق الجديدة أن مستشار كينيدي، آرثر شليسينغر الابن، قد اقترح عليه في حزيران عام 1961 تفكيك الوكالة، معتبراً أنها أضحت «قوية للغاية». وكشفت الوثيقة تصريحاً لشليسينغر الابن يفيد بأن الوكالة تتعدّى على صلاحيات وزارة الخارجية، مشيراً إلى أن 47 في المئة من المسؤولين السياسيين في السفارات الأميركية تتحكّم بهم الوكالة. ولكن، لم يتبنَّ كينيدي اقتراح مستشاره، الذي جاء بعد شهرين فقط من عملية «خليج الخنازير» التي تقف وراءها الوكالة في كوبا بهدف إطاحة كاسترو والتي فشلت فشلاً ذريعاً، ما أحرج إدارة كينيدي الجديدة حينها. وقد استبعد مؤرّخون أن يكون التوتّر بين كينيدي والوكالة قد استمرّ حتى اغتياله، مؤكدين أن كينيدي كان يتحكّم بالاستخبارات ويديرها بشكل مباشر وغير مباشر.


خابت آمال محبّي نظريات المؤامرة بعد صدور الوثائق الجديدة، إذ لم تُثبت حتى الآن أيّ من النظريات اللامتناهية التي أحاطت باغتيال كينيدي، من نظرية تصفيته من قِبل «الدولة العميقة» في أميركا بسبب عدم حماسته للغرق أكثر في وحول حرب فيتنام، مروراً بنظرية أن المافيا قتلته بسبب الحرب التي كان يشنّها برفقة أخيه روبرت، الذي اغتيل بدوره عام 1968، على الجريمة المنظمة، وصولاً إلى اتهام الزعيم الليبي آنذاك معمّر القذافي، إسرائيل، أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، باغتيال كينيدي، لأنه كان ضدّ برنامجها النووي ولأن جاك روبي، قاتل أوزوالد، كان يهودياً.


في النهاية، تؤكد الوثائق المنشورة حتى الآن أن أوزوالد لا يزال محور الاغتيال والشخصية الرئيسة والوحيدة فيه، حتى إثبات العكس. ولكن، يصعب على الكثيرين تقبّل فكرة أن يكون شاب مشوّش وبائس مثل أوزوالد قد تمكّن من اغتيال رئيس أميركا من تلقاء نفسه، لذا من المتوقع أن يستمرّ طرح النظريات المتعلّقة بمقتل كينيدي لفترة طويلة حتى بعد نشر كافة الوثائق.