يبدو أن التطوّرات المتسارعة في تركيا تتدحرج ككرة الثلج بعدما ألهبت، للمرّة الأولى منذ حوالى 10 سنوات الشارع التركي المعارض، قضية اعتقال ثمّ حبس رئيس بلدية اسطنبول أكرم إمام أوغلو على ذمة المحاكمة في تهم فساد ينفيها، وهو يُعدّ أحد أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان الذي يجهد للظَّفر بولاية رئاسية رابعة في الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها عام 2028، رغم المعوقات الدستورية التي تحول دون ذلك، والتي تقتضي إجراء انتخابات مبكرة تسمح بعودته إلى الحكم قبل انقضاء فترة ولايته.
فـ "السلطان" الراغب بالبقاء في سدة الرئاسة وفي إعادة "أمجاد" السلطنة العثمانية، اختار توقيتاً مسيّساً مثالياً لتحريك ملفات قضائية راكدة ضدّ غريمه إمام أوغلو، ليأتِ توقيف الأخير قبل أيام قليلة من ترشيح حزب "الشعب الجمهوري" المعارض له لانتخابات الرئاسة. بيد أن الحزب المعارض الذي يتمتع بثقل شعبي، حرص وفي خطوة رمزية، على تنظيم انتخابات تمهيدية صوّت فيها قرابة 15 مليون ناخب لإمام أوغلو، بينهم أكثر من 13 مليوناً من غير الأعضاء في الحزب الذين عبّروا عن تضامنهم مع المعارض المسجون.
"تقليم أظافر" خصمه الأخطر
في تنسيق "أردوغاني" جليّ وفي مسعى إلى "تقليم أظافر" خصمه الأخطر، أصدرت جامعة اسطنبول قراراً قضى بإلغاء الشهادة الجامعية لرئيس بلدية المدينة المُقال، بحجّة وجود مزاعم بتزويرها، ما يُشكّل عائقاً جدّياً أمام مشاركته في "المبارزة الرئاسية"، لأن إبطال الشهادة الجامعية يجرّده دستورياً من أهلية الترشح للرئاسة. وكلّ ذلك أتى قبل وقت وجيز من إعلان المدّعي العام في اسطنبول أن إمام أوغلو يُعدّ رئيساً لمنظمة إجرامية.
ورئيس حزب "العدالة والتنمية" الحاكم وبخطواته هذه ضدّ ألدّ خصومه ومنافسه الجدّي على الرئاسة، يمكن أن يكون اقترف خطأ جسيماً هو الأفدح خلال فترة حكمه، وربّما يُصاب نظام "السلطان" المتماسك منذ نحو ربع قرن، بالوهن، في ظلّ اتّساع رقعة الغضب في الشارع التركي. أي بمعنى آخر، قد يكون أردوغان حفر حفرة لغريمه إمام أوغلو ووقع فيها، لأن هذه التطوّرات تعيدنا بالذاكرة إلى الحقبة التي رافقت تبوّؤ الرئيس التركي كرسيّ الرئاسة، ففي حينه اعتُقل أردوغان "الإسلامي" إبّان رئاسته بلدية اسطنبول في تسعينات القرن المنصرم، بتهمة كتابة أبيات شعر، عُدّت مناوئة لمبادئ الجمهورية التركية العلمانية.
ريبة زعماء "القارة العجوز"
في ظلّ استمرار غليان الشارع التركي وتمدّد التظاهرات المؤيّدة لإمام أوغلو إلى مدن تركية عدّة وما يرافقها من حملات قمع واعتقالات، ينظر زعماء "القارة العجوز" بعين الريبة إلى قرارات أردوغان ضدّ مناوئه وتوقيتها، فأنقرة المرهَقة اقتصادياً والتي "تستميت" لدخول "جنة" الاتحاد الأوروبي منذ حوالى عقدين، لطّخت سجلّها "الرمادي" بنقطة سوداء إضافية، وهي التي تُتهم من جيرانها الأوروبّيين بانتهاك حقوق الإنسان، وهو أمر يحول دون انضمامها إلى "الكتلة الأوروبّية الاقتصادية"، ناهيك عن هواجس ديموغرافية تؤرق "الأوروبي" في حال انضمام تركيا إليه.
في المقابل، يمكن للمراقب أن يستشفّ من التطوّرات الحاصلة على الساحة التركية، أن اتفاقاً دولياً ربّما يكون أُبرم "تحت الطاولة" بين "السلطان" ودولٍ جارة أو بعيدة، يقضي بإطلاق يده في الداخل ومنحه مظلّة دولية تقِيه خسارة سدة الحكم في المستقبل، مقابل تقديمه تنازلات على شكل صفقات خارجية، في ظلّ المتغيّرات الإقليمية والدولية الراهنة، وإعادة رسم خرائط المنطقة فوق صفيح الحروب الساخن.