منذ أكثر من عشرين عاماً، شكّل "الهلال الشيعي" أحد أبرز المفاهيم التي حكمت قراءة التوازنات في الشرق الأوسط. فمنذ سقوط بغداد عام 2003، بدا أن إيران استطاعت أن تبني مجالاً حيوياً يمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت، مع نفوذ متزايد في اليمن، ما منحها قدرة استثنائية على التأثير في القرارات الإقليمية وفرض معادلات ردع جديدة.
اليوم، يبدو أن هذه المرحلة تقترب من نهايتها، ليس لأن إيران اختفت من المشهد، بل لأن البيئة الاستراتيجية التي سمحت بقيام هذا الهلال بدأت تتفكك تحت وطأة الحروب، والضغوط الاقتصادية، والتحولات الدولية، وصعود أولويات جديدة لدى الدول العربية تقوم على الاستقرار والتنمية أكثر من الصراع المفتوح.
من يتابع الأحداث خلال الأسابيع الأخيرة يلاحظ أنها ليست مجرد مصادفات زمنية.
إيران تصعّد في مضيق هرمز، في محاولة للحفاظ على إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية، بعدما تعرض مشروعها الإقليمي لضربات متلاحقة. فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل أصبح رسالة سياسية تقول إن أمن الخليج والاقتصاد العالمي لا يمكن عزلهما عن أمن إيران. لكن هذه الرسالة تعكس أيضاً إدراكاً إيرانياً بأن مساحة المناورة تضيق، وأن أدوات الردع التقليدية لم تعد كافية وحدها لفرض الوقائع.
في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة على أكثر من محور في وقت واحد، وكأنها تنفذ خطة متكاملة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط.
مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل لم تعد مجرد نقاش حول وقف إطلاق النار أو الانسحاب من نقاط حدودية. إنها جزء من عملية أوسع تهدف إلى تثبيت ترتيبات أمنية طويلة الأمد، وخلق بيئة تمنع العودة إلى الحرب، وتفتح الباب أمام إعادة إعمار الجنوب واستعادة الدولة اللبنانية لدورها السيادي.
وفي الوقت نفسه، يستقبل البيت الأبيض رئيس الوزراء العراقي. ليست زيارة بروتوكولية، بل رسالة واضحة بأن العراق يشكل ركناً أساسياً في النظام الإقليمي الجديد. فواشنطن تدرك أن استقرار بغداد هو مفتاح استقرار المشرق، وأن إخراج العراق من دائرة الصراع الأميركي – الإيراني يمثل خطوة أساسية لإعادة رسم ميزان القوى.
أما زيارة رئيس الحكومة اللبنانية إلى أنقرة، فتكشف أن لبنان يسعى إلى تنويع خياراته الإقليمية، والاستفادة من الدور التركي المتنامي في شرق المتوسط، في وقت تعمل فيه أنقرة على تثبيت نفسها شريكاً اقتصادياً وأمنياً لا يمكن تجاوزه.
ويبقى الحدث الأبرز زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن.
فالزيارة تأتي في توقيت استثنائي، وبعد سلسلة من المفاوضات والتحركات الدبلوماسية التي وضعت لبنان في قلب الاهتمام الدولي. ولن يكون جدول أعمالها محصوراً بالمساعدات العسكرية أو الاقتصادية، بل سيتناول مستقبل الدولة اللبنانية نفسها: تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، دعم الجيش، الإصلاحات الاقتصادية، وإعادة تثبيت مبدأ احتكار الدولة للسلاح باعتباره أساس أي استقرار مستدام.
هذا التزامن بين هذه المحطات ليس عفوياً.
فإذا كانت الولايات المتحدة قد أمضت العقدين الماضيين في احتواء الأزمات، فإنها تبدو اليوم وكأنها تحاول الانتقال إلى مرحلة بناء نظام إقليمي جديد. نظام لا يقوم فقط على الردع العسكري، بل على شبكة واسعة من الشراكات الأمنية والاقتصادية، تربط الخليج وشرق المتوسط والعراق ولبنان ضمن منظومة واحدة، يكون فيها الاستقرار شرطاً للاستثمار، والتنمية بديلاً عن الحروب.
وهنا يبرز السؤال الكبير: هل نحن أمام نهاية “الهلال الشيعي”؟
ربما لا يكون التعبير الأدق هو “النهاية”، بل “التحول”. فإيران ما زالت دولة إقليمية كبرى، وتمتلك قدرات عسكرية وشبكات نفوذ لا يمكن تجاهلها. لكنها لم تعد الطرف الوحيد القادر على تحديد اتجاه المنطقة، كما أن حلفاءها يواجهون تحديات داخلية غير مسبوقة، من لبنان إلى العراق وسوريا.
في المقابل، تتشكل تدريجياً منظومة مختلفة، يمكن تسميتها “منظومة الاستقرار الإقليمي”. وهي ليست حلفاً عسكرياً على غرار الأحلاف التقليدية، بل شبكة مصالح تجمع الولايات المتحدة والدول الخليجية وتركيا، ومعها دول المشرق التي تسعى إلى استعادة دور الدولة الوطنية.
هذا التحول يفرض على لبنان تحدياً وفرصة في آن واحد.
التحدي هو ألا يتحول من ساحة نفوذ إيراني إلى ساحة نفوذ أميركي، لأن منطق الارتهان لا يبني الدول. أما الفرصة، فهي أن يستعيد موقعه الطبيعي دولةً ذات سيادة، قادرة على إقامة أفضل العلاقات مع الجميع انطلاقاً من مصالحها الوطنية، لا من التزامات المحاور.
فالشرق الأوسط الجديد، إذا كان يتشكل بالفعل، لن يمنح مكاناً مميزاً للدول الضعيفة، بل للدول القادرة على فرض مؤسساتها، وتطبيق قوانينها، وبناء اقتصادها، واحتكار قرار الحرب والسلم.
ومن هنا، تكتسب زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن أهمية استثنائية. فهي ليست مجرد محطة في العلاقات اللبنانية – الأميركية، بل قد تكون لحظة يحدد فيها لبنان خياره الاستراتيجي للسنوات المقبلة: هل يعود دولة كاملة السيادة، أم يبقى ساحة تتنازعها المشاريع الإقليمية؟
إن ما نشهده اليوم لا يشبه ما عرفناه منذ عام 2003. فالمنطقة تدخل مرحلة انتقالية جديدة، قد يكون عنوانها الانتقال من شرق أوسط تحكمه الميليشيات ومحاور النفوذ، إلى شرق أوسط تحكمه الدول ومصالحها الاقتصادية والأمنية.
قد ينجح هذا المشروع، وقد يتعثر، لكن المؤكد أن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء. وما يجري اليوم في هرمز، وروما، وواشنطن، وأنقرة، وبيروت، ليس سوى فصول متزامنة من قصة واحدة: ولادة نظام إقليمي جديد.
ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل لبنان والمنطقة: هل ستكون دول المشرق شريكة في صناعة هذا النظام، أم ستكتفي بالتكيف مع قرارات يصنعها الآخرون؟