عكس مسلسل "بالدم" دور المرأة في المجتمع اللبناني متناولاً بجرأة ملف الاتجار بالأطفال. لم يقتصر العمل على الكشف عن معاناة نساء حملن "عن طريق الخطأ" ليتحوّلن إلى ضحايا شبكة مجرمة، بل قدّم من خلال شخصياته النسائية المتعدّدة، أوجهاً عديدة للأمومة، مبرزاً أيضاً قوّة نساء رفضن الاستسلام، فواجهن مصيرهنّ بشجاعة، في معركة استعادة الحياة والهوية.
ضحيّة كذبة
ينطلق شريط الأحداث من إحدى ضحايا شبكة الاتجار بالأطفال، "غالية" (ماغي بو غصن)، المرأة التي عاشت أكثر من أربعة عقود في كنف عائلة أحاطتها بالحب. تكتشف أنّ حياتها لم تكن سوى كذبة، وأنها بيعت بعد أن وُلدت "عن طريق الخطأ". لكنّ المحامية والأم والزوجة، التي كرّست حياتها للدفاع عن المظلومين، لم تتوقّف عند حدود الصدمة، بل قرّرت المواجهة، ليس فقط لاستعادة هويتها، بل للقضاء على رأس الأفعى، زعيمة شبكة الاتجار بالأطفال "نظيرة" (جناح فاخوري).
أمومة مجروحة
بدورها، جسّدت "إكرام" (سمارة نهرا)، والدة "غالية" البيولوجية، أمومة مثقلة بجرح لا يلتئم. لقد تخلّت عن "قمر" أو "غالية"، التي وُلدت من علاقة غير شرعية، دون أن تُدرك أنها باعتها لعصابة "نظيرة"، لنكتشف أنها احتفظت بذكرياتها في صندوق مغلق أبقى جرحها مفتوحاً. وعندما واجهت اختباراً آخر للأمومة، منحت ابنتها الثانية "حنين" (ماريلين نعمان) من زواج شرعي، فرصة الحياة عبر التبرّع بكليتها، لتتحوّل أمومتها إلى فعل ملموس من العطاء والتضحية.
أما "عدلا" (سينتيا كرم)، فتمثّل الوجه الأكثر مأسوية للأمومة. بعد أن حملت بطفل خارج إطار الزواج، أُجبرت على التخلي عنه عن طريق العصابة إياها. لكنها لم تستطع المضي قدماً، فعاشت حالة من الإنكار وغرقت في جنون عاطفي، محتضنةً دميةً أسمتها "غدي"، كأنها تُعيد بها طفلها المفقود. وانتهت مأساتها بمقتلها على يد شقيقها "غسلاً للعار"، في صورة مؤلمة لمجتمع لا يمنح النساء فرصة للندم أو الغفران.
أمومة فطريّة
في المقابل، لم تكن الأمومة دائماً عبر رابط الدّم، بل تجلّت في الفطرة والمسؤولية. "حنين" ابنة "إكرام" العزباء، جسّدت هذا المفهوم بامتياز، إذ حملت على عاتقها مسؤولية عائلتها، واحتضنت الطفلة سارة ابنة شقيقها بعد وفاته وزواج زوجته مجدّداً، كما وقفت بجانب والدتها "إكرام" عند انكشاف ماضيها، لتصبح الرّابط الذي وحّد أسرتها رغم كل ما مرّوا به من مآسي.
أما "جانيت" (جوليا قصّار)، فواجهت صدمة من نوع آخر، حين اكتشفت أنّ "غالية"، الإبنة البكر التي ربّتها وأحبّتها بصدق، لم تكن ابنتها الحقيقية. ومع ذلك، لم تتخلَّ عن حبّها لها، لكنها وجدت نفسها مدفوعة بغريزة أمومة لا يمكن مقاومتها، فبدأت رحلة البحث عن طفلها الحقيقي.
نموذج مختلف
على الجانب الآخر، قدّم المسلسل نموذجاً مختلفاً للأمومة مع "تمارا" (جيسي عبدو)، التي لم تكن تبحث عن العائلة بل عن إنجاب طفل بشروطها، فلجأت إلى عمليّة تجميد البويضات. لكن حين طلبت منها صديقتها "ليان" (رلى بقسماطي) مساعدتها بالحمل عبر التلقيح الاصطناعي، انقلب الاتفاق إلى صراع حين تدخّلت المشاعر في المعادلة، ووقع المحظور بين "تمارا" و "وليد" (باسم مغنية)، زوج "ليان" في الواقع وزوج "تمارا" على الورق. فانهار جسر الصداقة، ودخلت تمارا في مساومة قاسية على أمومتها.
في خضمّ كل هذه الصراعات، تقف "نظيرة" كوحش بلا قلب، امرأة سلبت قدسيّة الأمومة وحوّلتها إلى تجارة قذرة، استغلّت نساءً حملن "عن طريق الخطأ" لتحوّلهنّ إلى أرقام، وأطفالهنّ حديثي الولادة إلى سلعة تُباع وتُشترى. ولم تكتفِ باستغلال النساء، بل مارست سطوتها حتى على ابنتها المتبناة "آسيا" (كارول عبود)، التي عاشت في ظلّها كالأسيرة، بعدما احتجزت "نظيرة" ابن "آسيا" كرهينة، ضامنة بذلك طاعتها المطلقة.
حتى الطفلة سارة (تالين بو رجيلي) لم تسلم من هذا الصراع، فكبرت وهي تحمل في قلبها حقداً على والدتها، التي تركتها وتزوجت برجل آخر. ولم تفهم أنّ أمها كانت بدورها ضحية عنف أسري. كل ما شعرت به سارة كان الخذلان، لتتجسّد فيها صورة الجيل الجديد الذي لا يزال يدفع ثمن قراراتٍ لم يكن له يد فيها.
بذلك، يكون مسلسل "بالدم" قد قدّم رحلة درامية تسلّط الضوء على مصائر نساء قادتهنّ الحياة إلى مفترقات قاسية، لم يكن لهنّ يد في اختيارها دوماً. ورغم أنّ موضوعاته ليست جديدة على الدراما، إلا أن طريقة سردها، جعلته تجربة مختلفة تترك أثرها في وجدان المشاهد.