إنّ جوهر الحكم هو القوة. فالحكم ليس مجرد اقتراح إجراءات عامة أو إصدار أحكام قضائية، ولكنّه اضطلاع بهذه الإجراءات وتنفيذ لتلك الأحكام. لذا، فإنّ المحافظة على السلطة هي الهدف في حدّ ذاته ولا يختلف الأمر بين نظام ونظام مهما تعددت الأسماء.
إنّ استخدام الولايات المتحدة الأميركية القوة الناعمة في منطقة الشرق الأوسط اكتسبت أهميّة متزايدة لدى شعوب المنطقة على اعتبار أنها قوّة محبة للسلام تنشد فضائل الخير، والقيم، والعدل، والحرية. ولكن مع مرور الوقت وبعد انحسار نفوذ القوى الغربية التقليديّة في المنطقة، سعت واشنطن إلى تثبيت وجودها والحفاظ على مصالحها واستمرت معتمدةً على النهج نفسه أثناء الحرب الباردة وعقب انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك المنظومة الاشتراكية.
على الأثر، كرست الولايات المتحدة الأميركية توازنات استراتيجية في الشرق الأوسط لتحافظ على مصالحها. غير أن التناقض بدا واضحاً بين خطابها الأخلاقي والمثالي وأفعالها التي تبحث عن المصلحة بدون حدود أو قيود. وعليه تبرز نقطتان رئيسيتان حكمتا السياسة الأميركية هما: القوّة الداعمة للمصلحة والتوازنات.
ووفق هذه الرؤية ما زالت أميركا تتمسك بنظرية "كيسنجر" القائلة إن المصالح لا تتحقق بمعزل عن القوة، وإنّ القوة يجب أن تبقى حاضرة إذا أرادت الدولة أن تضمن نجاح سياستها الخارجية. وعليه، فإنّ الولايات المتحدة الأميركية لا تؤمن بالديمقراطية وإنما بالتوازنات. لذا، فإن واشنطن لا تعمل في سياستها الخارجية على تشجيع ممارسة الديمقراطية وإنما على إقامة مراكز قوى تحقق لها مصالحها تحت شعار الديمقراطية.
وبما ان أميركا تسعى فقط إلى مصالحها لذا ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بإسرائيل، بحيث اعتبرتها حليفاً إستراتيجياً لها في المنطقة. في حين أن نظرتها تجاه العرب بأنهم مجرد "متعاونين" تستطيع من خلالهم أن تحقق مصالحها في المنطقة.
يتبدّى من آراء المفكرين والباحثين أنّ سبب انحياز الولايات المتّحدة لإسرائيل ليس فقط بسبب الصوت الانتخابي ولكن يتجاوز ذلك وصولاً للعلاقة بين البروتستانتية واليهودية.
فالأراضي المقدّسة بالضمير البروتستانتي تحوّلت من أرض مقدّسة للمسيحيين إلى أرض شعب الله المختار أي اليهود.
إزاء ما تقدّم، قد تكون القضية الفلسطينية ضحية المصالح المتضاربة، مما يفيد أنّه يصعب التوصل إلى تسوية عادلة دائمة وشاملة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لا سيما أن وساطة الولايات المتحدة الأميركية في الصراع العربي الإسرائلي لا تتصف بالحيادية وعدم الإنحياز، بل تنحاز بشكل واضح لا لبس فيه إلى إسرائيل والساعية إلى تعزيز مكانتها على حساب المطالب الفلسطينية. استناداً إلى ما تقدم، تقوم الولايات المتحدة الأميركية منذ فترة طويلة بإدارة عملية تسوية هذا الصراع عبر تقديم نفسها على أنها الطرف الثالث المحايد والمؤثر، وأن باستطاعتها أن تقوم بدور الوساطة كونها تمتلك مقومات وقدرات تستطيع إدخالها على طاولة المفاوضات أكانت بالترغيب أو الترهيب. مع الإشارة إلى أن عدم التحيز الذي هو من أركان مبادئ الوساطة يفترض عدم تفضيل فريق على أخر، الأمر غير الملموس بالواقع السياسي للقضية الفلسطينية - الإسرائيلية.
يتجلّى أن الولايات المتحدة الأميركية تنشغل بعملية السلام وفق رؤيتها للنزاعات، كما أنها تعتمد على عامل الوقت لحل تلك الخلافات. لكن يتبدّى بما لا يقبل الشك أن العرب بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص في تراجع دراماتيكي إذ كلما طال الوقت كلما قدموا تنازلات أكثر وابتعدوا عن جوهر قضيتهم أكثر فأكثر. بالخلاصة إن الولايات المتحدة الأميركية تلجأ إلى إدارة الأزمات وليس إلى حل النزاعات. فهي تسعى ما استطاعت إلى امتصاص الأزمات من خلال إدارة الصراع بعد أن تبيّن أنها لا تنوي ولا تسعى إلى حله طالما لا يمثل ذلك تهديداً حقيقياً لمصالحها في المنطقة.