راشيل علوان

"القارة العجوز" وإمكانية التخلّي عن المظلّة الأميركية

الاستقلال الدفاعي الأوروبي رهان محفوف بالتحديات

3 دقائق للقراءة
الأوروبّيون يُعيدون النظر في استراتيجيّتهم الدفاعية (رويترز)

«زمن الأوهام قد انتهى»، بهذه العبارة رسمت رئيسة المفوضية الأوروبّية أورسولا فون دير لاين ملامح المسار الجديد للدفاع الأوروبي، بحيث شدّدت خلال خطابها الأخير أمام البرلمان الأوروبي على ضرورة أن تتحمّل أوروبا مسؤولية أكبر في الدفاع عن نفسها. فـ «القارة العجوز» تطمح أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وتحقيق الاستقلال العسكري بعيداً من الدعم الأميركي. ولكن في ظلّ التحولات الجيوسياسية والتحدّيات الأمنية التي تفرضها الحرب في أوكرانيا كما تراجع الدعم الأميركي، تُطرح علامات استفهام حول قابلية تحقيق هذا الطموح، وهل فعلاً أوروبا قادرة على حماية نفسها؟


لا شك في أنه على الاتحاد الأوروبي إعادة النظر في استراتيجيته الدفاعية، وتقييم نظامه الأمني الذي كشفت هشاشته بفِعل الحرب الأوكرانية، التي استنزفت ترساناته العسكرية. وبالتالي، الرهان الأوروبي على الاستقلال الأمني دونه الكثير من العقبات العسكرية والسياسية والاقتصادية، يقف حلف «الناتو» في صلبها. فالحلف لا يزال يشكّل العمود الفقري للدفاع الأوروبي، ومعظم الدول الأعضاء تجد صعوبة في تقليل اعتمادها على «الناتو»، ما يبطّئ خطوات إعادة التسلُّح الأوروبي.


كذلك، تواجه فكرة إنشاء جيش أوروبي موحّد عراقيل كبيرة، أبرزها غياب قيادة عسكرية مركزية، فضلاً عن ضعف التكامل بين الجيوش الأوروبّية مقارنة بالتنسيق الوثيق داخل «الناتو». ووفق تحليل صادر عن «المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات»، فإن تحقيق استقلال عسكري أوروبي لا يزال بعيد المنال، ولا تزال معظم الدول الأعضاء في «الناتو» ترى في المظلّة الأمنية الأميركية ضمانة حيوية.


أمّا مالياً، فالعجز الذي تعانيه العديد من الدول الأوروبّية يضع العصي في دواليب الخطّة الأوروبّية، التي ترتكز على زيادة الإنفاق الدفاعي من خلال السماح لدول الاتحاد الأوروبي برفع موازناتها العسكرية وتجاوز قيود العجز المالي. لكن كيف لدول تسعى إلى ضبط إنفاقها العام أن تُموّل مشاريعها الدفاعية؟ هذا فضلاً عن أن جزءاً كبيراً من الدول الأوروبّية يستخدم أنظمة تسلّح أميركية، خصوصاً في مجال التكنولوجيا الدفاعية، ومرتبطة بعقود طويلة الأجل لشراء الأسلحة الأميركية، ما يعني أن الاعتماد على الشركات الأوروبّية من دون المورّدين الخارجيين، لا يكفي لتلبية احتياجات أوروبا، وستظلّ هذه الدول بحاجة بلا شك إلى الدعم اللوجستي والتقني من الولايات المتحدة.


رغم الخطوات التي يتخذها الاتحاد الأوروبي لتعزيز قدراته الدفاعية، هو في سباق مع التغيرات المتسارعة وتصاعد الأزمات الجيوسياسية، لحسم قراره في شأن استقلاله الدفاعي، بينما لا يزال التباين واضحاً بين دوله حول رؤية موحدة لتحقيق هذا الاستقلال، فضلاً عن التحدّيات المالية واللوجستية، كما الاعتماد المستمرّ على الولايات المتحدة.


وبالتالي، يبدو أن تحقيق استقلال دفاعي كامل لا يزال بعيداً، أقلّه في المستقبل القريب، إذ قد يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى عقدين أو أكثر ليصل إلى مرحلة الحماية الذاتية الكاملة، بحسب «المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات». فهل يعني ذلك أن الاستقلال الدفاعي سيبقى مجرّد خطاب سياسي يُجبر «القارة العجوز» على البقاء تحت المظلّة الأميركية؟