أنطونيو رزق

ترامب راضٍ عنه... حتى الآن

ماسك يدفع ثمن مواجهته "الدولة العميقة"

5 دقائق للقراءة
يتعرّض ماسك لحملة غوغائية يسارية متطرّفة (رويترز)

بعد وصوله إلى قمة عالم الأعمال وإرساله صواريخ قابلة لإعادة الاستعمال إلى الفضاء واختراعه سيارات كهربائية قادرة على القيادة التلقائية، فضلاً عن تحقيقه عدة إنجازات مبهرة أخرى، يخوض أغنى رجل في العالم، الملياردير الأميركي إيلون ماسك، مغامرة جديدة منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، يسعى من خلالها إلى نقل بعض من الخبرة التي اكتسبها في إدارة الشركات أثناء مسيرته الطويلة في القطاع الخاص، إلى القطاع العام، الذي وضع ترامب نصب عينيه مهمّة "تطهيره" من "الهدر والفساد والاستغلال". ولكن، وبعد شهرين فقط من شروعه في مهمّته، بدأ ماسك يدفع ثمن غرزه "منشار الإصلاح" في جذور "الدولة العميقة".


يوم تدشين ولايته الثانية في كانون الثاني الماضي، أسّس ترامب "وزارة موَقتة" جديدة أسماها "وزارة الفعالية الحكومية" (دوج) وأعطاها صلاحية التدقيق في حسابات الوزارات المختلفة والمؤسّسات التابعة للحكومة الفدرالية، على أن تقتصر مهمّتها بعد ذلك على تقديم الاستشارات للرئيس ووزرائه حول كيفية جعل الوزارات والمؤسّسات الفدرالية أكثر فعالية وترشيد الإنفاق، وذلك عبر اقتراح، ضمن أمور أخرى، إيقاف تمويل البرامج وإلغاء العقود التي لا تتوافق مع سياسة إدارة ترامب أو التي يتبيّن أنها تشكّل هدراً لأموال دافعي الضرائب، فضلاً عن فصل الموظفين الفدراليين الذين يشكّلون عبئاً على الإدارة. كما تتولّى "دوج" مهمّة تطوير البرامج الإلكترونية الحكومية.


عهد ترامب قيادة "دوج" إلى ماسك، إذ قال إنه لم يجد "شخصاً أذكى منه" لتولّي مهمّة تقطيع أوصال البيروقراطية، التي يرى الكثير من الأميركيين، خصوصاً ذوي التوجهات اليمينية، أنها باتت ضخمة وقوية ومتجذرة لدرجة أنها أضحت "سلطة رابعة" في النظام السياسي. كما يصرّ ترامب وماسك على مسألة ترشيد الإنفاق نظراً إلى حجم الدين العام الذي تخطّى الـ 36 تريليون دولار، الأمر الذي أدّى إلى تجاوز قيمة فوائد الدين السنوية، موازنة الدفاع الأميركية السنوية.


خلال تدقيق ماسك وفريقه المكوّن بشكل أساسي من شباب ذوي خبرات تكنولوجية، في حسابات الوزارات والمؤسّسات الفدرالية، كشفوا كمّاً هائلاً من العقود والبرامج والمنح التي تستفيد منها جهات داخلية وخارجية، والتي قدّروا أنها إمّا تخدم أجندات سياسية ذات توجّه إيديولوجي يساري، وإمّا أنها تشكّل هدراً للمال العام. على السبيل المثال، استطاعت "دوج" توفير مليارات الدولارات على دافعي الضرائب فقط عبر تحديد البرامج والعقود والمنح المتعلّقة بسياسة "التعددية، المساواة، الاندماج" وبـ "التغيّر المناخي" في أنحاء الحكومة الفدرالية واقتراح توقيفها.


كما اقترحت "دوج" طرد عشرات آلاف الموظفين الفدراليين الذين إمّا كانوا يعملون ضمن البرامج التي أوقفت، وإمّا قدّرت أنهم قد يخدمون المصلحة العامة وأنفسهم بشكل أفضل عبر العمل في القطاع الخاص في وظيفة أكثر إنتاجية من الوظيفة الحكومية التي يشغلونها. كما أصرّت "دوج" على مسألة العمل حضورياً واقترحت طرد كلّ موظف يرفض القدوم إلى مقرّ عمله تحت ذريعة أنه يعمل من بُعد.


يفيد موقع "دوج" الإلكتروني، الذي تنشر عليه "الوزارة" تفاصيل أعمالها اليومية، بأنها تمكّنت حتى 24 من الحالي من توفير 130 مليار دولار على دافعي الضرائب عبر أخذ الإدارة باقتراحاتها التي شملت "مزيجاً من بيع أصول، وإلغاء عقود وإعادة التفاوض حول بعض منها، وتوقيف المدفوعات الخاطئة وتلك التي تخلّلها احتيال، وإلغاء منح، وتوفير فوائد، وتغييرات برنامجية، ومدخرات تنظيمية، وتخفيضات في القوى العاملة". وتقدّر "دوج" أنها وفرت ما معدّله 807 دولارات على كلّ دافع ضرائب.


على الرغم من تأكيد استطلاعات الرأي أن غالبية الأميركيين يؤيّدون بشدّة ما تفعله "دوج"، يتعرّض ماسك وشركة "تسلا" لحملة غوغائية تشنها مجموعات يسارية متطرّفة، تخلّلها تخريب وإحراق سيارات "تسلا" ومعارضها في أنحاء البلاد، الأمر الذي أدّى إلى انخفاض قيمة أسهم الشركة في البورصة. ولكن، كان ترامب حازماً في تعامله مع هذه الأحداث، إذ أعلن أنه سيعتبر أعمال التخريب التي تتعرّض لها "تسلا"، أعمال "إرهاب داخلي"، وتمنى الحكم على المتورّطين، الذين وصفهم بـ "الإرهابيين"، بالسجن 20 عاماً، حتى أنه لوّح بترحيلهم إلى "سجن العصابات" في السلفادور.


ونظم ترامب، الذي يحاول الديمقراطيون منذ فترة زرع بذور شقاق بينه وبين ماسك، عرضاً لسيارات "تسلا" في باحة البيت الأبيض، حيث تولّى شخصياً مهمّة تسويق السيارات إلى جانب ماسك أمام الصحافيين، وقرّر شراء واحدة على الرغم من أنه ممنوع من القيادة كرئيس للولايات المتحدة.


زادت الحملة العنيفة التي تعرّض لها ماسك من تصميم إدارة ترامب على انجاز المهمّة التي أنشئت "دوج" من أجل تحقيقها، لكن هناك تحدّيات وعقبات أصعب تنتظر ماسك وفريقه في مسعاهم إلى ترشيد الإنفاق، إذ سيواجهون شبكة مصالح متجذّرة تعمل ليلاً ونهاراً على المحافظة على امتيازاتها التي تمتّعت بها لسنوات وعقود طويلة، وقد بدأت بالفعل العمل على عرقلة عمل "الوزارة" عبر شن "حرب قانونية" على القرارات التي تتّخذ بناء على اقتراحات "دوج".


كما سيتعيّن على ماسك إيجاد توازن بين رغبته في تحقيق إنجازات كبيرة خلال مدّة قصيرة، كما اعتاد في عالم الأعمال، والحرص على عدم التعدّي على صلاحيات الوزراء وترامب، وعدم الدفع نحو المسّ بشكل غير مدروس في البرامج التي يتمسّك بها معظم الأميركيين، كالضمان الاجتماعي. حتى الآن، ما زال ترامب راضياً عن ماسك، لكن في حال بدأ الأخير التسبّب بمتاعب سياسية، فإن رضى ترامب قد ينقلب غضباً يتبعه قرار إقالة، على غرار ما حصل مع كثير من موظفي الرئيس السابقين.