بعدما عادت آلة الحرب الإسرائيلية لتفتك بمَن تبقّى من سكان قطاع غزة المنكوب، مع فشل الجهود الدبلوماسية الرامية للانتقال إلى "المرحلة الثانية" من اتفاق وقف النار بين إسرائيل المتعنّتة والمتفلّتة من أي ضوابط أخلاقية، وحركة "حماس" المتفرّدة بقرار الغزيين والجاثمة على قلوبهم والتي جرّتهم إلى حرب تكاد تُزيلهم من الوجود، بانَ غضب الغزيين الشعبي جلياً في شوارع القطاع المدمّر.
فشرارة الاحتجاجات الشعبية انطلقت الأسبوع الماضي من مدينة بيت لاهيا الواقعة في شمال القطاع، وحملت في بادئ الأمر مطلباً وحيداً وهو وقف الحرب على غزة، بيد أنها أُرفقت بدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتكرار التجمّعات في عدة مناطق في القطاع، وسرعان ما تحوّل الغضب الشعبي إلى تظاهرات حاشدة بدأت تطالب بتخلّي "حماس" عن إدارة غزة وانسحابها من القطاع، وتمدّدت هذه الاحتجاجات، التي بدأت في مجتمعات مخيّمات اللجوء، إلى مدينة غزة قلب القطاع.
إسكات أصوات المعارضين
اكتسبت هذه التظاهرات أهمية كبيرة عندما وصلت إلى خان يونس، المدينة التي تُعتبر معقل "حماس" وتحمل رمزية كبيرة، فالحركة انطلقت منها في حزيران من عام 2007 لتحكِم قبضتها على كامل القطاع وتطرد غريمتها حركة "فتح" منه. والنقمة الشعبية هذه تنطلق أيضاً من إدراك الغزيين أن الحرب الإسرائيلية استحالت إبادة جماعية لهم وباتت تهدّد مستقبلهم ووجودهم في القطاع، خصوصاً في ظلّ عدم إبداء "حماس" جدّية كبيرة ومرونة في التعاطي مع الطروحات التي تدعو إلى تسليمها السلطة في القطاع إلى سلطة بديلة تدير شؤون مواطني غزة المنكوبين وشجونهم الكثيرة.
ولا يغيب عن بالنا أيضاً أنه قبل هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأوّل، كان هناك تظاهرات ضدّ "حماس" في القطاع المحاصر والجائع، إلّا أنها كانت تُقمع بشدّة من عناصر الحركة الذين يسارعون إلى إسكات أي صوت معارض أو ناقم.
وبدا لافتاً تراجع الغارات الجوّية الإسرائيلية والقصف المدفعي على القطاع مع بدء المسِيرات المطالبة بوقف الحرب والمعارِضة لـ "حماس"، فالدولة العبرية بدت في منتهى الغبطة، وهي تعوّل على تحوّل هذه التظاهرات إلى انقلاب شعبي شامل يُطيح "حماس"، الحركة التي لقّنتها في 7 تشرين الأوّل درساً مؤلماً بات يلازم الوجدان الإسرائيلي الجماعي.
"لغة خشبيّة" لحراكٍ مجتمعيّ
فيما انتهجت "حماس" في غزة كالمعتاد "لغة خشبيّة" في الردّ على الاحتجاجات الشعبية النابعة من الألم والجوع والذلّ، واضعةً إيّاها في خانة خدمة تل أبيب، حاولت "نداء الوطن" التواصل مع بعض قيادييها في لبنان لاستمزاج آرائهم، إلّا أنهم آثروا عدم التعليق على الموضوع.
من جانبه، مدير "مركز تطوير للدراسات" الباحث الفلسطيني هشام دبسي أجرى قراءة هادئة لـ "نداء الوطن" تناولت حراك الغزيين الأخير، فاعتبر أن غضبهم ناجم من واقع الحرب المرير وقد بدأ كحراك شبابي قبل أن يتطوّر تدريجياً وينسحب إلى مناطق عدة في القطاع وإلى مخيّمات اللجوء ويضحي حراكاً مجتمعياً، يعبّر عن موقف عميق داخل المجتمع الغزي بأطيافه المتنوّعة.
ولفت دبسي إلى أن هذه هي المرّة الأولى التي تُخرق فيها قاعدة أساسية من قواعد العمل الفلسطيني كانت سائدة لسنوات، وكانت تقضي بتنحية الخلافات الداخلية جانباً عندما يكون هناك اشتباك مباشر مع الجيش الإسرائيلي، وهذا الأمر بحسب الباحث الفلسطيني، يثبت أن هذا الاختراق الذي حصل لم يكن من جانب أي فصيل إنما انطلق من الغضب الشعبي العارم والمتراكم والناقم على كيفية إدارة "حماس" الصراع.
كما ردّ دبسي غضب فلسطينيي القطاع إلى تيقّنهم من أن أسباب انهيار الهدنة تكمن في الشروط التي تفرضها "حماس" في شأن مصير قادتها وأموالها، وإصرارها على الإمساك بالخريطة السياسية وبحكم القطاع. لذلك، خرج الموقف الشعبي الفلسطيني إلى العلن وجاهر برفضه الحرب طالما أن "حماس" تديرها وفق أجندتها الضيّقة وليس وفق مصالح الفلسطينيين.
ويبقى أن قادة "حماس" و "مهندسي" 7 تشرين الأوّل، أجروا حسابات دقيقة لهجومهم المباغت على غلاف غزة، وعُدَّ العمل ناجحاً في المنظور العسكري، إلّا أن "مفكّري الحركة" أغفلوا في حساباتهم، عن قصد أو عن غير قصد، الويلات التي سيجرّها هجومهم على إسرائيل، الدولة المتعطّشة لسفك دماء الفلسطينيين، والتي تقتنص الفرص لتهجيرهم من القطاع ومن الضفة الغربية على السواء. و "حماس" التي أهدت بهجومها ذريعة على "طبق من فضة" لإسرائيل، آن لها أن تنظر بعين إنسانية إلى مأساة أطفال غزة وشيوخها، الذين ذاقوا أبشع أنواع القتل والذلّ والجوع والتهجير، على يد أعتى الجيوش في المنطقة وأشدّهم إجراماً.