لم يسبق للمشهد السوري - الإسرائيلي أن وصل تاريخيّاً إلى هذا المستوى من التعقيد، بعد التغيرات الدراماتيكية التي حدثت منذ الثامن من كانون الأوّل 2024 عندما كُتبت نهاية نظام الأسد بفِعل هروب رأسه إلى خارج بلاد الشام.
الصورة الحالية بين الطرفين لا تشبه أياً من المراحل التاريخية التي سبقت، فبعد عام من إعلان تأسيس دولة إسرائيل (1948)، كانت سوريا تشهد فاتحة عهد الانقلابات العسكرية، التي انتهت بوضع حافظ الأسد يده على السلطة عام 1970. وعلى الرغم من حربَي 1967 و1973، فإن حال العداء المستمرّة بين البلدين منذ أربعينات القرن الماضي لم تمنع التزامهما، إلى حدّ معيّن على الأقل منذ عام 1974، باتفاق الهدنة أو فض الاشتباك.
وبعد سقوط الأسد، تحرّكت إسرائيل في القنيطرة ودخلت محافظة درعا، مع إعلان واضح بنيّتها جعل الجنوب السوري، الذي يتضمّن المحافظتين بالإضافة إلى السويداء ومناطق من ريف دمشق، منطقة منزوعة السلاح، بينما أرادت سلطة دمشق الجديدة تخفيف منسوب التوتر، حيث لوحظ امتناع مسؤوليها عن الردّ على التصريحات الإسرائيلية المتعلّقة في الشأن السوري. ولكن، بعد ردود الفعل الشعبية السلبية حيال هذا الصمت، بدأت بإصدار بيانات استنكار للتقدّم الإسرائيلي الميداني، أو الضربات التي يشنها سلاح الجو مستهدفاً مراكز عسكرية وأمنية.
بات واضحاً أن حكومة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع لا تريد التصعيد مع تل أبيب، كما لا تحبّذ الاستمرار في الوضع الذي كان سائداً في زمن نظام الأسد الأب والابن. ومع بدء التداول بأخبار تشير إلى نية دمشق في الشروع في مفاوضات مع إسرائيل، تفيد معلومات خاصة بأن أولى المحاولات جرت مطلع الشهر الماضي، حيث بعث حكّام سوريا الجُدد رسالة مباشرة إلى الإسرائيليين تعبّر عن رغبتهم بالجلوس والشروع في مفاوضات من دون شروط مسبقة، وتؤكد أنهم لا يضمرون الشرّ لجارتهم.
قوبل الطلب السوري برفع منسوب التصريحات السلبية من جانب إسرائيل، التي أعلنت بشكل واضح أنها تريد من الجيش السوري الابتعاد عن الحدود لمسافة 60 إلى 80 كيلومتراً، كما واصلت تقدّمها على الأرض. أسقطت هذه التصرّفات محاولة دمشق الأولى، لكنها لم تصل إلى مرحلة الاستسلام ورفع الراية البيضاء في محاولة ايجاد ثغرة لبدء التفاوض، بحيث عمل السوريون على محاولة إيجاد أكثر من قناة لفتح كوة في الجدار، في ظلّ ورود معلومات متقاطعة تشير إلى إمكانية المساهمة في تحمّل جزء من خطّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لغزة، القاضية بنقل الفلسطينيين إلى خارج القطاع من أجل إعادة إعماره، وذلك عبر استقبال 100 ألف غزي، في حال وافقت الدول العربية على الخطة، على الرغم من أن الشرع استنكر سابقاً ما اعتبرها "خطّة ترامب لتهجير أهل غزة"، مستبعداً نجاحها، كما شدّد على أن "إخراج الناس من أرضهم جريمة كبيرة لا يمكن أن تحدث".
التعاطي الإسرائيلي التصعيدي مع حكم الشرع على الرغم من كلّ محاولات الأخير، ينبع من عدم ثقة حكومة بنيامين نتنياهو بتحوّل الرجل من شخصية متطرّفة تنتمي إلى تنظيم يتصدّر لوائح الإرهاب في دول العالم، إلى رئيس معتدل لا ينشد سوى السلام والاستقرار. وإذا كانت براغماتية الشرع في التحوّلات السياسية تثير إعجاب الكثيرين، إلّا أنها تمثل نقزة للإسرائيليين الذين يعتقدون أن الشرع المستقبلي سيكون واحداً من ثلاث شخصيات إذا ما استعادت سوريا دورها كدولة مركزية مستقرّة، وتمكّن من توطيد دعائم حكمه.
أولى الشخصيات المرسومة للشرع هي شخصية الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي. صحيح أن الأخير لم يعمل على تقويض اتفاقية السلام المعقودة بين القاهرة وتل أبيب، لكن في المقابل أفسح المجال للجماعات الإسلامية الليبية بقيادة وسام بن حميّد، بإيصال أسلحة ثقيلة وقطع غيار وإمدادات لوجيستية إلى غزة عبر الأراضي المصرية وبشكل متواصل حتى سقوطه.
السيناريو الثاني هو أن يتحوّل إلى يحيى سنوار آخر، إذ عبّر رئيس حركة "حماس" مراراً وتكراراً عن رغبته بهدنة طويلة الأمد، والسعي وراء الرخاء الاقتصادي لسكان القطاع، ليفاجئ العالم في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 بهجوم شامل اعتبره الإسرائيليون "الهولوكوست الثاني"، وتالياً فإن هذا المشهد الذي شاهدوه جنوباً، قد ينتقل يوماً ما إلى الشمال.
الصورة الثالثة رسمها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي قال إن الشرع هو "الجولاني"، واصفاً إياه بالعنصر في تنظيم "القاعدة" الإرهابي. وعلى الرغم من عدم وقوع مواجهة مباشرة بين التنظيم وإسرائيل سابقاً، غير أن منظري "القاعدة" يشدّدون على ضرورة اسقاط الطواغيت قبل تحرير بيت المقدس، أي أن العمل يتضمّن التمهيد ثمّ التمكين، وبما أن "الطاغوت السوري" قد سقط، فإن "العيون القاعدية" بدأت تشخص نحو القدس.