راشيل علوان

ترميم العلاقات الفرنسية - الجزائرية بين تحدّيات الذاكرة والأمن والهجرة

3 دقائق للقراءة
ماكرون يعمل على تحسين العلاقات مع الجزائر (رويترز)

إنه المدّ والجزر بين فرنسا والجزائر منذ استقلال الأخيرة عام 1962، فالبلدان الجاران اللذان يربطهما التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة، لم يعرفا علاقة سليمة يوماً، إذ كانت التوترات والتباينات تطبع علاقتهما على مدى عقود. فالعلاقة بين الجزائر وفرنسا تظلّ مشدودة إلى ذاكرة الماضي الاستعماري التي لم تُطوَ صفحتها بعد بين البلدين، حيث تسعى الجزائر إلى تحقيق اعتراف رسمي من فرنسا بالأضرار التي ألحقها الاستعمار بالجزائريين. في هذا السياق، كان الإعلان الصادر في 2022 بمثابة بداية لتقارب في هذا المجال، بحيث تم التوافق على اتخاذ خطوات نحو معالجة هذا الملف لتعزيز الثقة بين الطرفين.


ولكن بعيداً من أزمة الذاكرة، تتجاوز التوترات بين البلدين البعد التاريخي لتشمل قضايا مثل الأمن والهجرة. وقد فاقمت عدة عوامل وحوادث أخيراً تدحرج العلاقات الجزائرية - الفرنسية. بداية من اعتراف باريس في تموز 2024 بسيادة المغرب على الصحراء الغربية المتنازع عليها، مروراً بملف إعادة الجزائريين الذين صدرت بحقهم قرارات إبعاد عن الأراضي الفرنسية، فيما ترفض الجزائر استعادتهم، وصولاً إلى اعتقال السلطات الجزائرية الكاتب المزدوج الجنسية بوعلام صنصال والحكم عليه بالسجن خمس سنوات. وبلغت الأزمة بين البلدين ذروتها في شباط 2025 بعد الهجوم الذي حصل في مدينة ميلوز شرق فرنسا ونفذه جزائري وأسفر عن مقتل شخص، وكانت الجزائر قد رفضت إعادته بعد صدور قرار إبعاد بحقه.


هذا التدحرج في العلاقة، استدعى مكالمة هاتفية الإثنين الماضي بين الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والجزائري عبد المجيد تبون أعلنا خلالها عودة العلاقات إلى طبيعتها، مجددَين رغبتهما في استئناف حوار متكافئ بين البلدين. وفي إطار إعادة ترميم العلاقات الفرنسية - الجزائرية يزور وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو الجزائر في السادس من نيسان. فهل ينجح ماكرون وتبون في ترميم علاقات يمتزج فيها إرث النزاعات الاستعمارية بالتحدّيات الأمنية والمصالح المشتركة؟


رغم أن العودة إلى التعاون بين فرنسا والجزائر تعكس رغبة سياسية في تجاوز الأزمات، إلّا أن التحدّيات لا تزال قائمة. فقضية الذاكرة ستظلّ حجر عثرة في الطريق، ورغم تقديم فرنسا إشارات إيجابية الى استعدادها للتعامل مع هذه القضية، إلّا أن تنقية الذاكرة المشتركة والتطلّع إلى علاقات ثنائية طبيعية ومتكافئة لن ينجح، ما لم يقدّم ماكرون اعتذاراً واضحاً للجزائريين عن الحقبة الاستعمارية. هذا فضلاً عن تحدّيات الأمن والهجرة، التي تطرح صعوبات في تطبيق حلول عملية لها.


وبالتالي، فإن العلاقة الفرنسية - الجزائرية لا مهرب منها، نظراً للتشابك في الهويتين الفرنسية والجزائرية، إلّا أن ترميم هذه العلاقة ووضعها في مسارها الصحيح والطبيعي يحتاج وقتاً. فمِن السهل قلب صفحة الاستعمار ولكن من المستحيل محو التاريخ ونسيانه، وحالما تختفي الأجيال التي شاركت في الحرب من الجانبَين، عندها ستعرف العلاقات الجزائرية - الفرنسية منحنيات أخرى، بحسب ما يورد كتاب "العلاقات الجزائرية - الفرنسية حرب الذاكرة ونهاية التاريخ".