الملل، أيّها السيّدات والسّادة، ليس حالة طارئة أو شعوراً عرضيّاً يدهمنا فقط عندما ينقطع الإنترنت أو تتأخر الحلقة الجديدة من المسلسل. لا، لا، إنه كائن حيّ، غامض، قديم، متطوّر، متلوّن، وخبيث أحياناً كثيرة. ربّما لو أُجري استفتاء عالميّ حول ما إذا كان الملل "آفة العصر" أو "ملهم العباقرة"، لاحتدم الجدال كجدالات الورثة على الميراث، ولرغبنا في حشي الكوسا بالأفكار الفلسفية.
لننطلق من البداية، من العصر الحجريّ، حيث لا كهرباء، لا "موبايلات"، لا مواعيد. فقط ديناصورات وهميّة (لأنّ الديناصورات ماتت قبل البشر، لكن دعونا لا نُفسد الحبكة)، وأشخاص يرتدون جلود الحيوانات ويمشون حفاة كأنهم في إعلان لشامبو عضوي.
في تلك الأيّام، لم يكن هناك ملل، لا لأنّ الحياة كانت ممتعة، بل لأنّ كل لحظة منها كانت معركة بقاء. من كان لديه وقت للضجر عندما كانت الحياة أشبه بلعبة "الغمّيضة" المميتة بينه وبين أسد بدائي غاضب؟
نعم، الملل، ذلك الشعور الذي يجعلنا نحدّق في السقف ونبدأ بتحليل التشقّقات وكأنها خريطة لكنز دفين، هو في الحقيقة اختراع بشريّ بامتياز. لا، لم يكن موجوداً في العصر الحجريّ، لأن أحداً لم يكن يملك الترف ليشعر بالملل عندما كان عليه الهروب من أسد جائع.
الإشارة الأولى
الإشارة الأولى للملل في التاريخ، سُجّلت في لوح حجري بدائي عُثر عليه في كهف وادي "زهقانستان"، ويظهر فيه رجل الكهف "غوغ" وهو يراقب زوجته "ماغا" تشعل النار ثم يهمس لصديقه: "مش حلوي هالسهرة". عندها، تمّ اختراع الرقص حول النار، ومن هنا بدأ الترفيه البشريّ، ووُلد الفنّ، والموسيقى، والرقص، والتمثيل، والأهمّ وُلدت الأعذار الاجتماعية للانسحاب من أيّة جلسة.
العصور الذهبية للملل
تطوّر الملل في العصور الوسطى. أصبح أكثر تعقيداً وأكثر أناقة. فالنبلاء كانوا يجلسون في قلاعهم، ينتظرون حرباً أو طاعوناً أو حفلة تنكّريّة، والملل يأكل عقولهم ببطء. ماذا فعلوا؟ اخترعوا المبارزات، السحر الأسود، الشعر الغامض، و "الدراما الملكيّة" التي لا تختلف كثيراً عن المسلسلات التركية: عدد الخيانات نفسها، لكن بشوارب وذقون أطول.
أمّا العامّة في تلك العصور، فقد كانوا مشغولين بالنجاة من الجوع والأوبئة، ولم يُسمح لهم بالشعور بالملل رسمياً. ولو اشتكى أحدهم من الضجر، لتمّت معاملته على أنه مهرطق أو مصاب بـ "أرواح غير منتجة".
العظمة في التفاصيل المملّة
الآن، في عصر السرعة والتكنولوجيا والتطبيقات التي تتجسّس علينا حتى ونحن نيام، أصبح الملل حاضراً في كل مكان وبصورة مملّة جدّاً!
نحن نشاهد مقاطع فيديو لأشخاص ينظّفون سجاداً عمره 60 سنة، ونقول "واو شو ممتع!" ثم نتابع فيديو لتجربة 100 طبقة من طلاء الأظافر، ونقنع أنفسنا أننا "نستكشف الجمال المعاصر". نحن أمّة ضجر متقدِّم، لكنّها مموّهة "بالفلاتر" والمؤثّرات البصرية.
والأنكى؟ التطبيقات التي صُمّمت لتقتل الملل أصبحت نفسها مصدراً له. هل لاحظتم أننا نتنقّل من "إنستغرام" إلى "تيك توك" إلى "فايسبوك" ثمّ نعود إلى "إنستغرام" وكأننا داخل دائرة عبثية من الروتين البصري؟ هذا هو "الملل الدائري" الذي لم تُجرَ عنه دراسات بعد، لأنّ العلماء أنفسهم، بصراحة، شعروا بالملل أثناء البحث فيه.
قصة حب معقّدة
الفنان ذاك المخلوق الحسّاس، يعيش على الحافة بين الإبداع والانهيار العصبي. الضجر بالنسبة إليه ليس فراغاً قاتلاً بل "مصدر إلهام خام". فلنأخذ ليوناردو دا فينشي كمثال: الرجل بدأ رسم لوحات كثيرة ولم يُكمل نصفها. لماذا؟ لأنّه كان يضجر، ولنتذكّر أنّ لوحة "العشاء الأخير" بدأت بالتقشّر بعد سنوات قليلة لأنه استعجل رسمها، فنان ملول.
أمّا فان غوغ، فقد كان ضجره أكثر دراميةً، فبينما نختار نحن تناول وجبة خفيفة أثناء الملل، كان هو يقطع أذنه. والمثير أنّ أعظم لوحاته، مثل "ليلة النجوم"، وُلدت في لحظات ضجر قاتل أثناء وجوده في مصحّة عقليّة.
بيكاسو، من جهته، قرّر أن يتحدّى الملل بإعادة اختراع الأشكال الهندسية وابتكار "المدرسة التكعيبية"، لأنّه على ما يبدو، كان يضجر من رسم الأشياء كما يراها البشر العاديون.
وفي العصر الحديث، لدينا فنانو السينما الذين، حين يملّون، يصنعون أفلاماً تجريبية مدّتها ثلاث ساعات، كلّها عن شخص يحدّق في كوب ماء. والناقد يقول: "تحفة بصرية". بينما الجمهور يقول: "ليش ما نمنا بالبيت؟".
أما الموسيقيون، فحين يصابون بالضجر، يخترعون أنماطاً جديدة من الضوضاء، ثم يقنعون العالم بأنها "تجربة صوتيّة فريدة".
ابتكارات لقتل الملل أو تمجيده
فلنكتشف أننا نملك موهبة تحليل الخرائط الجيولوجية بعد 10 دقائق من التحديق في السقف وتحليل التشقّقات فيه، أو فليكتب كل ضجران منّا رسالة لنفسه بلغة غامضة، ولا يحاول قراءتها إلّا بعد شهر، عندها فلنستعدّ للجنون ونحن نحاول تذكّر ما قصدناه بـ "الفراشة السوداء تعرف الطريق".
أو ربما يمكننا إجراء محكمة لجهاز التحكُّم عن بعد، أي "الريموت كونترول"، من يستحقّ السيطرة؟ قناة المسلسلات المكرّرة أم برنامج "طهي الحلازين"؟
ربّما يكون الحلّ في بدء مشروع جديد كلّ ثلاثة أيام، هكذا نضمن الخبرة المتميّزة في المشاريع الملولة. وإن لم ينجح كلّ ما سبق لن يبقى أمامنا سوى تحليل صوت المروحة... رجاءً لا تسخروا، ربما هناك رسالة من كائنات فضائية تنتظر من يفكّ شيفرتها.
سيمفونية السأم
أطول سيمفونية في التاريخ تجاوزت الساعتين ونصف الساعة. لماذا؟ لأنّ المؤلف لم يكن يملك "نتفليكس" على ما يبدو. أما موسيقى الجاز، فتحوّلت عند بعض العازفين تمارين ملل جماعي. يعزف الموسيقي 39 نوتة عشوائية، ثم ينظر للجمهور وكأنه يقول: "فهمتوها؟ لا؟ جيّد، لأنها غير مفهومة أصلاً!"
أما البوب الحديث؟ فالمؤلف يكتب جملة واحدة مثل: "baby, baby, baby" ويكرّرها 87 مرة. تهانينا، لقد أنقذت نفسك من عناء الإبداع!
الملل قوّة خارقة
إذا جلسنا طويلاً في غرفة صامتة، وبدأنا نسمع أصواتاً أو نرى أشكالاً في الجدار، علينا ألا نخاف، نحن لا ننهار... إننا نتطوّر! نعم نعم، الملل قد يصنع منّا فنانين سرياليين، أو خطباء سياسيين، أو حتى... مدرّبين لتطوير الذات على "تيك توك".
لنتخيّل العام 2050: توظيف "خبير ملل" لتقييم مدى ملل الاجتماعات الوزاريّة، إطلاق تطبيق "BoreNet" وهو شبكة اجتماعية لمشاركة لحظاتنا الأكثر مللاً، واختراع آلة لقياس "شدة التثاؤب" كوسيلة تقييم للمحتوى الرقمي. وقد نجد في سيرنا الذاتية فقرة عن خبراتنا قد نقول فيها: "شعرت بالملل في 83 اجتماعاً متواصلاً دون أن أصرخ، فحصلت على وسام الصبر الشرفي".
أجل مع تطوّر العصر، من المحتمل أن يصبح الملل مهنة مدفوعة الأجر! فلنتخيّل أنّ الشركات ستبدأ بتعيين "خبراء ملل" لاختبار مدى قدرة الاجتماعات على إصابة الموظفين بالنعاس، أو أنّ هناك اختبارات رسمية تقيس "مستوى الضجر" في البرامج التلفزيونية، بحيث يتم حذف أي برنامج يسجل نسبة نوم أعلى من 80 % بين المشاهدين.
قد يبدو الملل لعنة، لكنه في جوهره نعمة تنكر نفسها. في لحظة ضجر واحدة، قد تخطر لنا فكرة تُغيّر العالم، أو تجعلنا نبدأ مشروعاً نتخلّى عنه بعد ثلاثة أيام، لا بأس. في كل الأحوال، لنتذكّر أن الضجر لا يقتل، بل يعلّمنا فن النجاة من أنفسنا، وأنا، إن تابعت التغزّل بالضجر، فسأركض باتجاه السلم الحديدي من جهة المطبخ وسأصعد إلى السطح، لعلّني أنجو بنفسي منه!