لطالما كانت، وما زالت، تهمة العمالة لصالح مؤامرات تحيكها دول غربية ولوبيات صهيونية الحجةَ الفضلى لأنظمة وقوى الممانعة من أجل تبرير قمعها لمعارضيها وتهميشهم. وبناء على تهم العمالة تلك يصبح هؤلاء المعارضون "صهاينة عرباً" يوهنون عضد الأمة أو "يهود الداخل" - كما يحلو لجماعة الحزب القومي السوري أن تسميهم.
وهذه العمالة، بحسب مروجي تهمها، غالباً ما تكون جزءاً من مؤامرات كونية يحتل اليهود عادة فيها موقع الصدارة، ويلعب فيها أثرياؤهم، من ناثان روتشيلد إلى جورج سوروس، دور البطولة. وتتخذ نظريات المؤامرة هذه من "بروتوكولات حكماء صهيون" الوثيقة التي لفقتها روسيا القيصرية في أوائل القرن العشرين، نموذجاً ومنطلقاً لكل الأفكار الشائعة عن سيطرة اليهود على المال والإعلام وغير ذلك.
ولأنها مؤامرات تُصنع في الخفاء وتحاك في غرف مظلمة، ويُفترض أن يختبئ أصحابها خلف أقنعة وستائر، لذا لا تظهر منها إلا إشارات يلتقطها الفطناء، أو وثائق سرية تقع في أيدي فاعلي الخير فينشرونها على الملأ. وهناك للأسف جمهور واسع في منطقتنا، من كافة الأديان والطوائف والأعراق، مستعد، بل متلهف، لتقبل نظريات المؤامرة هذه. فهي تقدم له تفسيراً سهلاً لمآسيه يعفيه من المسؤولية التي تلقيها نظريات المؤامرة على قلة من ضعاف النفوس الذين أغراهم المال أو استهوتهم الخيانة.
أما القوى المسيحية اللبنانية الأساسية - وهي صاحبة المساهمة الأهم في تأسيس لبنان والتي رأت في الغرب الليبرالي بقيمه الديمقراطية ونظامه الاقتصادي الحر نموذجاً لها - فقد كانت دائماً عرضة لتهم العمالة تلك، خصوصاً وأنها رفضت أن يكون لبنان ساحة مواجهة مسلحة مع الغرب وإسرائيل تستباح فيها مصالح البلاد وتزهق فيها أرواح مواطنيه.
لذا من المؤسف أن تخرج اليوم نفس نظريات المؤامرة تلك من قلب بيئة القوى المسيحية ذاتها، فلا ترى أن نظريات المؤامرة الشعبوية القومية اليمينية لا تختلف عن مثيلتها الشعبوية القومية اليسارية. فالأخيرة ترى أن قيماً كالحرية والديمقراطية التي يروج لها الغرب في العلن ليست إلا أدوات تستخدمها الدولة العميقة التي تتحكم بها مصالح مالية واقتصادية خاصة تسعى لبسط سيطرة ذاك الغرب على الشعوب الأخرى وسلب ثرواتهم. كذلك هي الحال في النسخة الشعبوية القومية اليمينية التي تعتقد أيضاً بوجود دول عميقة تتحكم بها لوبيات مالية - لا تخلو من بصمات يهودية ما - متحللة من القيم العائلية والوطنية وتسعى لضرب المجتمعات لتتم السيطرة عليها.
وأكثر ما يُظهر تقاطع الشعبوية القومية اليسارية مع مثيلتها اليمينية هو الموقف من الحرب في أوكرانيا. فاليمين واليسار الشعوبيان يميلان لتأييد روسيا في حربها على أوكرانيا، ويعلنان كرههما لرئيسها اليهودي. وعليه يتهم شعبويو الغرب، بيمينهم ويسارهم، دولهم باستفزاز روسيا ودفعها إلى شن الحرب على أوكرانيا، كما يطالبونها بوقف المساعدات العسكرية للأخيرة. أما الشعبويون الممانعون، ككوريا الشمالية وإيران و"حزب الله" وحلفائهم وجماهيرهم في منطقتنا فمتضامنون، بل متحالفون، مع روسيا في حربها.
نحن اليوم في لبنان أمام تحدّ أساسي متمثل في حصر السلاح بيد الدولة، وهو الشرط الأول لتأمين شروط انسحاب اسرائيل وإعادة الإعمار وتأمين الدعم الخارجي على قاعدة ضمان الاستقرار على المدى الطويل. أما حياكة نظريات مؤامرة لاسامية تحول بيننا وبين ترك زمن الممانعة وأفكاره الرثة فهي آخر ما نحتاج إليه اليوم.