على الرغم من عدم مرور 100 يوم بعد على بداية الولاية الثانية لدونالد ترامب، يواجه الرئيس الـ 47 للولايات المتحدة جملة من "العواصف العاتية" والتحدّيات الداخلية والخارجية المتشعّبة والمعقدة، بعد الانطلاقة القوية لولايته التي قلبت الأوضاع القائمة منذ عقود رأساً على عقب وأعادت رسم الأولويات على المستويَين المحلّي والدولي، إذ نظمت مجموعات يسارية تظاهرات في أنحاء أميركا احتجاجاً على سياسات ترامب، فيما لا تزال الدول الحليفة لواشنطن والمعادية لها تحاول إيجاد أفضل طريقة للتعامل مع الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الجمهوري على واردات بلاده، وسط تخوّف من اندلاع حرب تجارية عالمية تفاقم الخسائر الفادحة التي تكبّدتها الأسواق العالمية منذ إعلان الرسوم، ما يُعقّد المشهد الجيوسياسي ويُعمّق عدم اليقين على الساحة الدولية.
كما يبدو أن جهود إدارة ترامب للتوصّل إلى وقف لإطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا لم تحقق خرقاً مهمّاً حتى الآن، في وقت تتوسّع فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة بعد انهيار وقف النار، كما يكثف الجيش الأميركي قصفه لمواقع المتمرّدين الحوثيين في اليمن بلا أفق واضح لمدّة الحملة، مع ارتفاع احتمالات توجيه ضربة عسكرية لإيران إذا لم تفلح الجهود الدبلوماسية في معالجة معضلة ملف طهران النووي.
واحتشد آلاف الأميركيين السبت ضمن نحو 1200 تظاهرة في أنحاء البلاد للتعبير عن استيائهم بشكل جماعي من التغييرات التي يُجريها ترامب من خلال أوامره التنفيذية. وأوضحت إحدى المتظاهرات في واشنطن وتدعى تيري كلاين لوكالة "رويترز" أنها جاءت لحضور هذا التجمّع احتجاجاً على سياسات ترامب في "كلّ شيء، من الهجرة إلى قانون إدارة الكفاءة الحكومية والرسوم الجمركية والتعليم، فكلّ مؤسّسات بلدنا تتعرّض للهجوم"، في حين رفع بعض المتظاهرين علم أوكرانيا ووضع آخرون الكوفية الفلسطينية ولافتات كتبوا عليها "حرّروا فلسطين"، كما برزت لافتات مؤيّدة لإجراء عمليات تحوّل جنسي للأطفال، الأمر الذي يقف ترامب ضدّه بحزم. وانتقد أعضاء ديمقراطيون في مجلس النواب سياسات ترامب على المنصّة أسفل نصب واشنطن التذكاري.
وبينما يجري فريق "وزارة الكفاءة الحكومية" بقيادة الملياردير إيلون ماسك عملية تدقيق في الحكومة الأميركية، وألغى أكثر من 200 ألف وظيفة من أصل 2.3 مليون وظيفة في الحكومة الفدرالية حتى اللحظة، تجمّع المئات السبت أمام مقرّ إدارة الضمان الاجتماعي قرب مدينة بالتيمور احتجاجاً على تخفيضات تستهدف الإدارة التي أعلنت أخيراً تسريح سبعة آلاف موظف وإيقاف خدمات الهاتف للملايين. وقال بول كريشمان: "أخشى أن يجري تدمير منظومة الضمان الاجتماعي ونفقد مزايانا التي لن يكون هناك من يديرها أصلاً، وأخشى أن يكون كلّ هذا جزءاً من خطة أكبر لتفكيك الحكومة والإبقاء على سلطة ترامب".
وفي ما يتعلّّق بالرسوم الجمركية، أعرب المتظاهر واين هوفمان عن قلقه من سياسات ترامب الاقتصادية واستخدامه الواسع للرسوم الجمركية، معتبراً أنه "سيكلّف هذا الأمر المزارعين في الولايات الحمراء وسيكلّف الناس وظائفهم، خصوصاً حسابات التقاعد، وقد خسر الناس عشرات الآلاف من الدولارات". ولم تقتصر الاحتجاجات على رسوم ترامب الجمركية على الداخل الأميركي بطبيعة الحال، بحيث كشف مدير المجلس الاقتصادي القومي كيفن هاسيت أن أكثر من 50 دولة تواصلت مع البيت الأبيض لبدء مفاوضات تجارية، فيما أكد وزير التجارة هوارد لوتنيك أن لا مجال لتأجيل الرسوم الجمركية وستبقى سارية "لأيام وأسابيع".
في هذا الإطار، اختلفت ردود الفعل الصادرة من الدول المعنية بالرسوم الجمركية، إذ تسعى عدة دول حليفة لأميركا إلى التوصّل إلى اتفاق مع ترامب يُفضي إلى تعليق الرسوم الجمركية على بضائعها، مثلاً تعهّد الرئيس التايواني لاي تشينغ تي بإزالة الحواجز التجارية مع واشنطن بدلاً من فرض إجراءات مضادة، فضلاً عن زيادة الشركات التايوانية لاستثماراتها في أميركا. وأمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أن يخفف ترامب الرسوم الجمركية المفروضة على الدولة العبرية عندما يجتمع معه في واشنطن اليوم. كما تخطّط رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني لإجراء محادثات مع ترامب في واشنطن قريباً لحلّ قضية الرسوم. وفي حين اختارت دول عدّة التريّث قبل الردّ على رسوم ترامب، منها بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، قرّرت الصين فتح مواجهة مع ترامب عبر فرض رسوم جمركية على البضائع الأميركية وقيود على تصدير بعض المواد الأولية المهمّة.
وفي تطورات الحرب الأوكرانية - الروسية، شنت موسكو هجوماً صاروخياً على كييف يعتبر أكبر هجوم من نوعه على أوكرانيا منذ أسابيع، ما دفع بولندا إلى إرسال مقاتلات لضمان سلامة مجالها الجوّي. واعتبر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الهجمات المتواصلة تظهر أن روسيا لا تريد إنهاء الحرب، مشيراً إلى أنه أصدر تعليماته لوزيرَي الدفاع والخارجية بتكثيف المحادثات مع الشركاء، ولا سيّما أميركا، حول توريد معدّات للدفاع الجوي.