في خِضَمّ الأزمات المتلاحقة التي تضرب الكيان اللبناني في عمقه — من انهيار مالي، إلى تهديدات أمنية متكرّرة، وانقسامات سياسية مزمنة — يطل سؤال مصيري، بسيط في ظاهره، عميق في دلالاته: هل نسعى إلى الإصلاح من أجل بناء دولة فعلية، أم للهروب إلى الأمام وتأجيل الانفجار الكبير؟ وهل يُبنى بلدٌ فيما هو يتآكل من الداخل، في ظل غياب رؤية شاملة وأولويات واضحة؟
ما جدوى ترميم بعض المرافق أو تنشيط القطاع السياحي إذا كان البلد، عند كل مفترق طرق، يقف على شفير انهيار شامل؟ وما نفع الخطط الاقتصادية أو الإصلاحات التقنية إذا كان كل إنجاز مهدَّداً بالزوال في لحظة، نتيجة ضربة خارجية أو أزمة سياسية داخلية ناجمة عن فشل الدولة في ترتيب أولوياتها؟
السيادة: الأولوية القصوى
لا يمكن تجاهل الموقف الأميركي المتقدّم، ومواقف الأوروبيين والمجتمع الإقليمي الداعم للبنان، الذي أعاد تسليط الضوء على جوهر الأزمة: غياب السيادة. فقد أكدت المبعوثة الأميركية الخاصة، السيدة مورغان أورتاغوس، خلال زيارتها الأخيرة إلى بيروت، أن لا استقرار، ولا إصلاح، ولا استثمارات ممكنة، من دون معالجة جذرية لمسألة السلاح غير الشرعي، وعلى رأسه سلاح 'حزب الله'. وشدَدَت — انتبهوا إلى دقة هذا الكلام — على أن لا معنى لأي شراكة أميركية لبنانية جدّية مع لبنان طالما هناك طرف مسلّح خارج إطار الدولة، يفرض إيقاعه على القرار السياسي، ويدفع بالبلد نحو مواجهات مدمّرة، فيما الداخل يرزح تحت أثقال الانهيار.
فكم مبعوثاً إقليميّاً ودوليّاً، وكم رسالة يجب أن تصل، قبل أن تدرك الحكومة — باستثناء قلة من الوزراء — ومعها الرؤساء الثلاثة، أن لا استقرار جنوباً، ولا في البقاع أو الضاحية، وربما في كل لبنان، من دون حصرية السلاح بيد الجيش اللبناني؟ وأن لا دعم عسكري مستدام، من دون التزام فعلي بتطبيق القرار 1701؟
فإذا لم يستطع الرئيسان جوزاف عون ونواف سلام في استقطاب الرئيس نبيه برّي إلى صفّهما، وفي المقابل نجح برّي في اجتذابهما إلى معسكره المناور في ما خص ملف سلاح حزب الله، فإنّنا، كلبنانيين، نكون مجدداً ندفع كلفة "اتفاق الطائف" الذي لم يُنتج دولة قابلة للحياة، بل كرّس نظاماً قوامه المراوحة، والتعطيل، وموازين القوى العقيمة. وما نشهده اليوم في ملف سلاح حزب الله ليس سوى الدليل الأوضح على ذلك. فلقد حان الوقت للبدء بنقاش جدي حول نظام لبناني يضمن الحقوق السياسة لكل الجماعات التاريخية ويعطيهم الحرية لتقرير مصيرهم، وتمكينهم لبناء مناطقهم، وتحصين مؤسساتهم، وحماية ثقافتهم، وصون مستقبل أبنائهم الذين لا يجدون سبيلاً سوى الهجرة — إلى متى سيبقى مصير اللبنانيين مرهوناً بأشخاص اليوم وبالأمس ممّن هيمنوا وتَحَكَّموا؟
أما الحديث عن إصلاحات مالية، فهو مرهون باستعادة الثقة، والثقة لا تُبنى في ظل اقتصاد نقدي هش، وفساد ممنهج، ووجود جماعات مسلّحة تتحكّم بالدولة ومؤسساتها.
لقد آن الأوان للخروج من الاقتصاد الريعي والانتظار الدائم للمساعدات الخارجية، والتوجّه نحو اقتصاد منتج يستثمر برأسماله البشري، في الداخل كما في المهجر. غير أن هذه الرؤية، رغم واقعيتها، لن تبصر النور ما لم تترافق مع خطوات ملموسة نحو الشفافية، وتفعيل القضاء، وتطبيق إصلاحات مالية جذرية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، وفي طليعتها ضبط الاقتصاد النقدي الموازي، وإخراج لبنان من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، إلى جانب تسوية مسألة الودائع، وهيكلة القطاع المصرفي وإصلاحه. لكن كل ذلك يبقى رهناً بإزالة العقبة الأساس: السلاح غير الشرعي. فلا خطة اقتصادية أو مالية تنجح فيما يبقى لبنان رهينة لمعادلات أمنية قابلة للانفجار في أي لحظة.
رسالة للعهد الجديد:
أي حكومة تراهن على ترميم المؤسسات من دون التصدّي للعمق السيادي والأمني، إنما تعيد إنتاج الأزمة نفسها بلغة وشكل جديدين. تجارب الماضي — من طاولات الحوار، إلى الاستراتيجيات الدفاعية، مروراً بمسايرة “حزب الله” وتدوير الزوايا في القضايا الكيانية، وصولاً إلى إعادة الإعمار بعد حرب 2006، وما أعقب انفجار 4 آب — أثبتت أن المال الخارجي وحده لا يبني بلداً، وأن غياب القرار السيادي يُجهض أي مسار إصلاحي مهما حسُنت نواياه.
لبنان على مفترق طرق:
السؤال اليوم لم يعُد: ماذا نُصلح؟ بل: كيف نُرتّب أولويات الإصلاح؟ فالمعركة باتت بين من يريد دولة، ومن يتمسّك بالدويلة. بين من يسعى إلى ربط لبنان بالمنظومة الشرعية والمالية الدولية والإقليمية، ومن يُصرّ على إبقائه رهينة في بازار المحاور.
الوقت لا يعمل لصالحنا. كل لحظة تُهدَر في السجالات الشكلية تُقرّبنا أكثر من الهاوية. واللبنانيون، لا سيما الجيل الشاب، أنهكهم الواقع ودفعتهم المآسي إلى البحث عن مستقبل في خارج. فكيف نطمئنهم؟ وكيف نبقيهم هنا ليساهموا في البناء والازدهار؟ الجواب يبدأ من الأساس: من السيادة. من نزع السلاح. من تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي. فبدون هذه الركائز، لا إصلاح يُجدي، ولا دولة تُبنى، ولا مستقبل يُرسم.
إن لم نُحسن ترتيب أولوياتنا، فلن تكون لنا أولويات أصلاً، بل فوضى مزمنة تتخفّى خلف يافطة “دولة” لا تملك قرارها.