في عصرنا اللّامُتناهي للصّور والفيديوات والرّيلات التي تعكس الصورة العائليّة المثاليّة، وفي زمن يكثُر فيه الطلاق والفراق والخيانة "à gogo"، يُعيدنا فيلم "HOLLAND" إلى مطلع الألفيّة الثانية عندما كان استخدام الـ "Handy" والـ "Pager" سلميّاً، ويروي قصّة أسرة تبدو مثاليّة في بلدة هولاند بولاية ميشيغان الأميركيّة.
تبدأ الأحداث الفعليّة عندما تكتشف المُعلّمة وربّة المنزل Nancy Vandergroot بعد شكِّها في خيانة زوجها لها، سرّاً دفيناً قد يُغيّر مجرى حياتها. وفي سياق تطوّر الأحداث، تتجلّى الرمزيّة المُزدوجة التي يحملُها الفيلم من عنوانه" "HOLLAND". فهو من جهة يُوحي بالهدوء والنظام والانسجام كما تبدو عليه البلدة، ومن جهةٍ أخرى يخفي تحت سطحه توتّراً داخليّاً واختلالاً في التّوازن، كما هي الحال مع بطلة الفيلم، نانسي، التي تؤدّي دورها ببراعة استثنائيّة، المُخضرمة Nicole Kidman.
الهويّة النسائيّة بين القمع والمثاليّة
هي امرأة تبدو من الخارج "كاملة" ضمن قالب المُجتمع الأميركي المُحافظ آنذاك: زوجة، أم ومعلّمة ملُتزمة... ولكن ما يكشفه الفيلم هو الاغتراب العميق بين هذه "الصورة" وبين ذاتها الحقيقيّة. على صعيد البنية النفسيّة، تُعاني نانسي من صدمة دفينة مُتعلّقة بخسارةٍ أو خطأ أخلاقي، لذا نجد أفعالها تعكس محاولات تعويض داخليّة. أمّا في البعد الرمزي الاجتماعي، فتُمثّل شخصيّتها "المرأة المقموعة" التي تبحث عن صوتها، ولكنَّها تُجبَر دائماً على الصمت؛ ففي كل مشهد تظهر فيه نانسي وهي تنظر من خلف زجاج أو تتأمَّل انعكاسها في مرآة، هو إشارة لصراع الذات الحقيقيّة ضد المجتمع أو الذات المُزيّفة.
إخراج وتصوير مُحكمان
لجأت المخرجة Mimi Cave إلى كادرات مُحكمة، فغالباً ما صوَّرت الشخصيّة الأساسيّة داخل إطارات ضيّقة (نوافذ، أبواب، ممرّات) لتعكس حالتها الذهنيّة المكبوتة. كما أوجدت الفراغات التصويريّة في لقطاتها الثّابتة للمساحات الواسعة لتُبرز العزلة رغم الحشود. وبرع مُدير التصوير البولندي Pawel Pogorzelski في تعزيز أجواء الكآبة خصوصاً في الفصول الباردة، عبر مجموعة مميّزة من الألوان (Color Palette) الرماديّة - الزرقاء، إضافةً إلى إضاءة خافتة لتقريبنا أكثر كمُشاهدين من الدّاخل النفسي للشخصيّات، وإبعاد تركيزنا عن الأحداث الفعليّة.
كيف نعيش حياة ليست لنا؟
نجح البناء السّردي في إبراز الثيمات الكبرى، من الهويّة والاغتراب الى الذنب والصمت. وختامها مع المثال "النموذجي" المُشوّه لصورة المُجتمع التقليدي المُحافظ، على الرغم من بعض الثغرات في الحبكة الثانويّة خصوصاً في دوافع الزوج من جهة، والحبيب الصامت من جهة أخرى؛ إضافةً إلى وتيرةٍ بطيئة تُصيب منتصف الفيلم وتُشتّت التّركيز المُثبّت منذ بداية الأحداث. إلّا أنَّ النهاية الجريئة تُميّز الفيلم بالغوص في المجهول، بين الخلاص والاستسلام، من دون أن نعلم ما إذا كانت الشخصيّة قد تصالحت مع ماضيها أم غرقت فيه... ليدعنا الفيلم نتأمّل بين رمزيّة التحرُّر من الذات الزائفة والاستسلام الأخير للضغط المُجتمعي الذي لا مفر منه.
تُشاهدون الفيلم على منصّة "Amazon Prime Video".