ألين الحاج

في مواجهة النسيان وتجاهل العدالة

كتاب لأنطوان حبشي يروي الإبادة الأرمنيّة بلغة جديدة

7 دقائق للقراءة

إحياء الذاكرة الجماعيّة لجريمة الإبادة الأرمنية (24 نيسان) ليس مجرّد استرجاع لمحطّة تاريخيّة، بل مواجهة حقيقية مع النسيان وتجاهل العدالة. من هذا الإيمان العميق، وُلد كتاب "Forget Me Not: Siroun Ararat" الصادر عن "Flora Magic Books"، كعمل أدبي وإنساني يروي المأساة بلغة جديدة، ويُخاطب الأجيال التي لم تعش الفاجعة، لكنها معنيّة بها وبتاريخها.


فكرة كتاب "Forget Me Not: Siroun Ararat" انطلقت من الناشرة آليك طباكيان، وتولّى كتابته عضو تكتّل "الجمهوريّة القويّة" النائب الدكتور أنطوان حبشي، حيث يسرد من خلال مجموعة من القصص القصيرة تجارب الأمهات الأرمنيّات في مواجهة تحدّيات الحفاظ على الهويّة والثقافة الأرمنية، خاصةً في ظلّ الأحداث التاريخية القاسية مثل الإبادة الجماعية الأرمنية.


الكتاب لا يقتصر على كونه مجموعة قصصية فحسب، بل هو وثيقة ثقافية عميقة تنقل معاناة وصمود الشعب الأرمني عبر الأجيال. يسهم في تعزيز الروابط بين الماضي والحاضر، حيث يعكس أهمية السرد الشفهي في الثقافة الأرمنية كوسيلة للحفاظ على الهوية الجماعية والتأكيد على استمرار وجود هذا الشعب رغم كل التحديات. وتحمل القصص التي يرويها الكتاب رسائل إنسانية عالمية تتخطى حدود الزمان والمكان، فهي ليست مجرّد حكايات فردية، بل شهادات حيّة تعبر عن مأساة جماعية.



خلفيّة الإصدار

ويكشف الدكتور أنطوان حبشي، في حديث لـ "نداء الوطن" خلفيّة إصدار الكتاب، فيوضح أنّ الفكرة أتت من غيابٍ واضح لوجود كتاب مصوّر على مستوى العالم يُعنى بسرد المجازر الأرمنية بطريقة مبسّطة وهادفة. ويضيف، أنه حين يرغب أحد الأهل في نقل هذه الحقيقة لأولاده، يحتاج إلى وسيلة صادقة، تُراعي براءة الطفولة من دون أن تفرّغ المأساة من معناها. فكما في الأناجيل المصوّرة التي تُعيد سرد القصص بأسلوب بصري مؤثّر، وُلدت فكرة تقديم الإبادة الأرمنية ضمن إطار تربوي وإنساني، مصوّر، قريب من الذاكرة والبصيرة، من دون أن تكون مخصّصة للأطفال فقط، في خطوة تُعدّ الأولى من نوعها على مستوى العالم من حيث الشكل والمضمون.


يعود بنا الكتاب إلى واحدة من أحلك الفترات في التاريخ الحديث، الإبادة الجماعية للأرمن عام 1915، حيث قامت الإمبراطوريّة العثمانية بقتل حوالى مليون ونصف مليون أرمني بشكل ممنهج. وقد أدّت هذه المأساة إلى تشتّت الشعب الأرمني في أنحاء العالم، واستمر نضاله من أجل الاعتراف الدولي بهذه الجريمة والبحث عن العدالة. وعلى الرغم من مرور أكثر من قرن على هذه الأحداث، فإنّ جراح الماضي لا تزال مفتوحة، إذ يواصل الأرمن السعي للحفاظ على ذاكرتهم الجماعية في وجه محاولات الطمس والإنكار.



بُعد العنوان ورمزه

وعن عنوان الكتاب، يشير حبشي إلى أنه يحمل بعداً رمزياً عميقاً، حيث أنّ الجزء الأوّل منه "Forget Me Not"، إلى جانب الزهرة المعروفة، يعود إلى العبارة التي تحوّلت، بمناسبة الذكرى المئوية للإبادة عام 2015، إلى شعار موحّد لجاليات الأرمن في العالم، وأصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية الأرمنية، تُستخدم كلغة رمزية تُذكّر بالألم وبالقيامة التي تلته، وبأهمية عدم نسيان الجذور. ويشرح حبشي أنّ الشقّ الثاني من العنوان "Siroun Ararat"، يحمل بُعداً وجدانياً، ويقول إنّ "سيرون" تعني "المحبّة" أو "المحبوبة"، وهو اسم شاع استخدامه بين الأرمن قبل أكثر من قرن، وكان يُطلق على النساء كعلامة محبّة. أما "أرارات" فهو الجبل الذي يحمل رمزيّة روحيّة ووطنيّة كبرى في الوعي الأرمني. وفي القصة، تمثّل "سيرون" الجدّة بينما يروي الجدّ حكاية الإبادة لأحفاده.



مضمون تربوي توثيقي

معروف أنّ الإبادة الجماعية للأرمن واحدة من أولى الإبادات الجماعية الحديثة، حيث تمّ القضاء على مجتمعات بأكملها، ما أجبر الناجين على الفرار إلى أماكن متفرقة حول العالم. وقد حمل هؤلاء الناجون معهم لغتهم وتقاليدهم وتراثهم الثقافي، ليصبح الشتات الأرمني رمزاً للصمود والإصرار. ومن خلال الأدب والسرد الشفهي، استطاع الأرمن إبقاء ذكرياتهم حية ونقلها من جيل إلى آخر، ليكون هذا الكتاب استمراراً لهذه المسيرة الثقافية التي تهدف إلى تخليد ذكرى المفقودين وتعزيز الشعور بالهوية.


من هنا فمضمون الكتاب تربوي وتوثيقي في آن، يؤكّد حبشي، مفنّداً أجزاءه الأربعة. يشير إلى أنّ الجزء الأول، يقدّم الرموز الأرمنيّة المغروسة في اللاوعي الجماعي: من زهرة "Forget Me Not" إلى صليب "الختشكار" والرّمانة وغيرها من الرموز التي تشكّل نسيج الهوية الأرمنية.


ويهدف الجزء الثاني، الى التأكيد على أنّ المجازر لم تبدأ عام 2015، بل سبقتها فترة طويلة من التحضيرات، التي لم تكن دينية فحسب، بل شملت أيضاً أبعاداً سياسية وثقافية، لذلك، يقول حبشي: "تمّ التطرّق في هذا الجزء إلى الأحداث التي سبقت المجازر، مع التركيز على المؤشّرات التي تكشف عن وجود بيئة جاهزة لتنفيذ عملية إبادة موجهة ضد الشعب الأرمني".


أما الجزء الثالث فيتناول المجازر نفسها، بأسلوب مبسّط علمي، ويجيب على أسئلة محوريّة حول ما حصل، متى وأين وكيف ولماذا. بينما يتحدّث الجزء الرابع والأخير عن صمود الشعب الأرمني وإنجازاته، حيث لم يغرقوا تحت صليب الألم بل وجدوا في معاناتهم قيامة جديدة بدل الموت. هذا الصمود هو ما جعلهم منتشرين في شتى أنحاء العالم، ومع ذلك، لا يزالون متضامنين مع بعضهم البعض، محافظين على ثقافتهم ولغتهم.


إذاً بالنسبة للأرمن، يمثّل هذا الكتاب تجربة شخصية تعكس تاريخهم العائلي والصدمات التي توارثوها عبر الأجيال. أما بالنسبة للقراء من الثقافات الأخرى، فهو نافذة لفهم معاناة الشعب الأرمني وكفاحه من أجل البقاء. كما يتناول موضوعات عالمية مثل الأمومة، الهوية والصمود في وجه القهر، وأهمية الحفاظ على التراث الثقافي، مما يجعله قريباً من وجدان القراء في جميع أنحاء العالم.



ربط بين التجارب

وفي ظلّ انتشار محاولات إنكار الحقائق التاريخية وتشويهها، تزداد أهمية الكتب التي توثّق معاناة الشعوب، فهي لا تُعلم القراء بالماضي فحسب، بل تسلط الضوء أيضاً على صلابة الناجين وقوة إرادتهم. كما يربط الكتاب بين تجربة الأرمن وتجارب شعوب أخرى عانت من الإبادة والتهجير القسري، مثل الإبادة الجماعية في رواندا واضطهاد الشعوب الأصلية في أميركا الشمالية وأستراليا، ما يجعله بمثابة دعوة للحفاظ على التاريخ، وتكريم صمود الناجين، ومنع تكرار مثل هذه المآسي. فكما هو الحال مع الأرمن، واجهت العديد من المجتمعات الأخرى اضطهاداً ممنهجاً، وكانت روايات الناجين هي الحاجز الأخير أمام محو الذاكرة التاريخية.


أما اختيار تاريخ 21 نيسان لإطلاق الكتاب، فحُدّد وفقاً لحبشي، لأنّ الأسبوع الذي يسبق تاريخ 24 نيسان يوم الذكرى الرسميّة للإبادة الأرمنيّة يشكّل فترة مخصّصة للأنشطة والفعاليات التذكارية التي تُحيي هذه الفاجعة الإنسانية. وارتأى الأرمن، مجتمعين تحت مظلّة الكنيسة، أن يكون هذا الكتاب نقطة انطلاق لإحياء الذكرى الـ 110، لكونه عملاً توثيقياً، غير متحيّز، ينقل الحقائق كما هي، بلغة تجمع البساطة بالرصانة، ويهدف إلى التوعية لا التجييش.


وبفضل مثل هذه الأعمال الأدبية، يظل التراث الأرمني حيّاً، حيث تتناقل الأجيال القصص والشهادات التي تعكس كفاح هذا الشعب من أجل البقاء. وعليه، فإن "Forget Me Not: Siroun Ararat" ليس مجرد كتاب يُقرأ، بل هو تجربة إنسانية تُعاش، تمنح القارئ فرصة لإعادة اكتشاف تاريخ مؤلم، لكن يحمل بين طياته بذور الأمل والاستمرار.



يُقام حفل التوقيع الساعة 7:00 مساء الإثنين 21 نيسان 2025 في مطرانية الأرمن في برج حمود، برعاية مطران الأرمن الأرثوذكس شاهيه بانوسيان، وتتخلله كلمات لكل من الناشرة أليك طباكيان والدكتور أنطوان حبشي، والمطران بانوسيان.