الياس دمّر

إذا كانت الذاكرة أساساً للهويّة

ماذا يحدث عند استنساخ الذكريات في "Mickey 17"؟

3 دقائق للقراءة

حقَّق الكاتب والمُخرج الكوري الجنوبي Bong Joon Ho فوزاً تاريخيّاً في احتفاليّة "الأوسكار" عام 2020 بعد أن أصبح فيلمه "Parasite" أول فيلم بلغة أجنبية يفوز بجائزة "أوسكار أفضل فيلم"، لتكون ليلة 9 - 10 شباط من تلك السنة، واحدة من أروع الأمسيات الأوسكاريّة التي توّجت هذه التّحفة الأنثروبولوجية. خطوة تركت المُجتمع السّينمائي العالمي متشوّقاً لاكتشاف ما يُقدّمه المُخرج في فيلمه الأخير: "Mickey 17"، الذي تدور أحداثه في العام 2045 حول شخصيّة Mickey Barnes (يلعب الدَّور Robert Pattinson) الذي يتسجَّل بوظيفة "Expendable" (مُستهلك) في مهمّة استعمار كوكب جليدي. ويتمثَّل دوره في تنفيذ المهام الخطرة التي تتطلّب التّضحية بحياته، حيث يجري استنساخه بعد كل حادثة وفاة، مع الاحتفاظ بمُعظم ذكرياته. وتبدأ الفوضى عندما تنجو إحدى النّسخ "Mickey 17"، بينما يتمّ إنشاء نسخة جديدة "Mickey 18"، ما يخلق صراعاً وجوديّاً حول الهويّة والإنسانيّة!



الهويّة ضحيّة 

يعكس سيناريو Bong Joon Ho، بصمته المميّزة والمعتادة في نقد الأنظمة الرّأسماليّة والطبقيّة، عبر تصوير "المستهلكين" كأدوات يُمكن التخلّص منها. حيث أنَّ Mickey يرمز للعامل المُستغَّل الذي تتمّ التّضحية به مراراً من أجل تقدّم المهمّة، في حين يعيش قادة الحملة الفضائيّة رفاهيّة ممنوعة على طاقم السّفينة.


وكما شهدنا في أفلامه السّابقة "Snowpiercer" و "Parasite"، يجرؤ المُخرج على طرح أسئلة فلسفيّة عميقة: "إذا كانت الهويّة مُرتبطة بالذاكرة، فما الذي يُحدّد الإنسان عندما تتداخل ذكرياته؟". ويبرع في تركيزه على آلة الاستنساخ التي تُمثّل دورة الاستغلال اللامتناهية، حيث تجرى "إعادة تدوير" الشخصيّة الأساسيّة بدلاً من تقدير قيمتها الفرديّة!



الانقسام وصراع البقاء

عندما تقع المواجهة بين نسختَي "Mickey"، نشهد انقساماً رمزيّاً للذات. فالأوّل، "Mickey 17"، يُجسّد الخوف والقبول، بينما الثّاني، "Mickey 18" يُمثّل التمرّد والرّغبة في البقاء، لينطلق صراع داخلي وخارجي لدى الشخصيّتين حول الوعي والوجود، ممزوجاً بالكوميديا السّوداء للتخفيف من حدّة الموت المُتكرّر.


ويبرز تأثّر Bong Joon Ho سينمائيّاً، بأحد أهم المُخرجين الأسطوريّين Stanley Kubrick، في تصويره للفضاء كمكان غامض، مُخيف ومعقّم، يُشبه أجواء "2001A Space Odyssey".


الفيلم يأتي في وقت تشهد فيه السينما العالميّة اهتماماً متزايداً بالخيال العلمي، كوسيلة لمعالجة قضايا مُعاصرة، مثل الذكاء الاصطناعي وأخلاقيّات التّطوير والمُمارسة، خاصّةً عبر تقديمه رؤية بصريّة مُذهلة ونقداً اجتماعياً حاداً، وليبقى إسهاماً قيّماً في مسيرة الكاتب والمُخرج الفذّ Bong Joon Ho، مُعزّزاً مكانته كصوت سينمائي فريد. الفيلم بات في صالات السّينما.