في ظلّ الأزمات السياسية والاقتصادية التي يعاني منها لبنان، يعود التلفزيون ليلعب دوراً أساسيّاً في تنشيط الحياة الثقافية من خلال إعادة إطلاق البرامج الثقافية التي غابت لفترة ليست بالقصيرة. هذه العودة لا تأتي فقط كاستجابة لحاجة الجمهور إلى محتوى معرفي، بل كضرورة للمحافظة على هوية لبنان في زمن التشتّت والتراجع.
في السنوات الماضية، كانت البرامج الثقافية جزءاً مهمّاً من المشهد التلفزيوني اللبناني، حيث شكّلت منصّات للنقاش الفكري، وتحليل الكتب. ومع تراجع الدعم الإنتاجي وازدياد التركيز على البرامج الترفيهية والسياسيّة، تقلّصت هذه المساحات تدريجيّاً. إنما في الفترة الأخيرة، بدأنا نشهد محاولات جادة لإعادة هذه الروح الثقافية إلى الشاشات. فيما أخذ الجمهور اللبناني المتعطّش لِما يتجاوز الخطاب السياسي أو الترفيهي، يتفاعل إيجاباً مع هذه العودة.
حاجة حقيقية
وفي بلد يعود من الانهيار، تشكّل عودة البرامج الثقافية إلى الشاشات بارقة هدوء وسط ضجيج الواقع، وتذكيراً بأنّ الثقافة، حتى عبر الشاشة، لا تزال قادرة على إحياء الوعي وفتح نوافذ الأمل.
في هذا الإطار، أوضح الصحافي والمنتج المنفّذ جان نخّول لـ «نداء الوطن» أنّ عودة البرامج الثقافية إلى الشاشات جاءت نتيجة الحاجة الملحّة للمحتوى، في ظل تراجع الترفيه وهيمنة البرامج السياسيّة والحواريّة، مضيفاً: «كان هناك فراغ في نوعية البرامج، ما خلق حاجة حقيقية لقصص ومضامين مختلفة».
البرنامج الشرارة
وعن رأيه في ما إن كان هو من أعاد إحياء هذا النوع من البرامج، لا سيّما من خلال برنامجه «صارو ميّة»، قال نخّول: «طبعاً، بكل تواضع، برنامج «صارو ميّة» كان الشرارة الأولى لانطلاقة هذه الموجة من البرامج الثقافية. لكن ما أعاد فعليّاً هذه الموجة هو نجاح البرنامج؛ فلو لم ينجح، لما كان هناك قبول لدى الآخرين».
نخّول علّق على مسألة بدء بعض القنوات المنافِسة إنتاج هذا النّمط من البرامج أيضاً، فاعتبر أنّ المنافسة جميلة، لافتاً إلى أنّ «في نهاية المطاف، قنوات التلفزيون بحاجة إلى هذا النوع من المواد، إذ لا يمكن أن يقتصر محتوى برامجها على الترفيه أو السياسة فحسب، بل نحن بحاجة إلى خليط يرضي مختلف الأذواق».
المشاهد يختار
أما إذا كانت العودة إلى تقديم البرامج الثقافيّة على الشاشة الصغيرة مجرّد موجة موقتة، فرأى نخّول أنّ «التلفزيون أصبح اليوم كأي منصّة رقميّة، تماماً مثل «يوتيوب»، حيث تُعرض مجموعة متنوّعة من الفيديوات والمحتوى، والمشاهد يختار ما يريده. وهكذا ينبغي أن يكون التلفزيون أيضاً، يقدّم كل شيء، ويترك الخيار للمشاهد».
نخّول ختم كلامه بالإشارة إلى أنّ «تجربتنا أثبتت أنّ من يروّج لفكرة أنّ البرامج الثقافية لا تحظى بنسبة مشاهدة مرتفعة، مخطئ. فالواقع أظهر العكس تماماً».
في الواقع، الملاحظة الأخيرة للصحافي والمنتج المنفّذ جان نخّول صحيحة، إذ يُظهر الجمهور تفاعلاً كبيراً مع البرامج الثقافيّة، فيما يحتاج بلدنا ومعه جمهور القنوات التلفزيونيّة المحليّة، إلى إعادة وضع هذا النوع من البرامج تحت الضوء حتى لا نكون مجرّد مجتمع استهلاكي يترنّح على حبال الموضة.