للبنان سرّه الذي لا يكنه أعماقه سوى من يحسنون فكّ شيفرته، أو يتركون، بكلّ بساطة، هواه يأخذهم، نحو نمط حياة تأسرهم. قد يبدو لكثيرين -ومنهم أبناء البلد أنفسهم- أنّ مشاكله الكثيرة تفقده لذّة العيش فيه. ليس الكاتب الكويتي الليبرالي أحمد الصرّاف من هذه الفئة على الإطلاق، بل هو من المدمنين عليه. وقد عبّر عن شغفه هذا في كتاب شيّق، عنونه: "سرّ لبنان بعيون كويتية"، صادر عن "دار سائر المشرق".
جمع الصرّاف في سِفره، مقالات هزّت وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها "أيها المسيحيون اخرجوا من أوطاننا..."، وفيه الكثير مما يذكّر اللبنانيين برسالتهم ودورهم الذي يتوق إليه من غرفوا من عصر النهضة التي كان اللبنانيون روّادها.
المَسيحيّة في أوطاننا لَيسَت ديكوراً، ولا أمراً ثانويّاً، بل ضَرورَة "عُضوِيَّة" تَتَعلَّق بِصَميم وُجودِنا جَميعاً في مِنطَقَتِنا، إضافةً إلى أنّها ضَرورَة إنسانِيّة وأخلاقِيّة واجتِماعِيّة وإبداعِيّة قُصوى، كما أنّ لهم أسبقيّة ارتباط وتواجد في مختلف تجمعاتهم، في غالِبِيَّة الدُّوَل العَرَبِيّة، بِهَذِهِ الأرض، ودِفاعِهِم عَنها، فَوق أنَّهُم أصحاب فَضلٍ في أُمور ومَجالات إبداع عِدَّة، كالمَسرَح والصَّحافَة، والرِّوايَة والغِناء، والسّينِما، والتّعليم والتأريخ، وحفظ وتَطوير اللُّغَة العَرَبِيَّة، وآدابها، وكونهم روّاد الصّناعة بمختلف فروعها، وغير ذلك الكثير!
سيّدة وجلسة ومذاق
كان صديقي الرّاحل، الأرمني "سيروج بازيل" يُصِرّ على وُجود سَيِّدَة واحِدَة على الأقلّ بَينَنا كُلّما اجتَمَعنا، وكان يُبَرّر ذَلِكَ بِأنَّ وُجودَها يُحَسِّن مَذاق الجَلسَة، ويَجعَلُنا جَميعًا نَتَصرَّف، ونَتَكَلَّم بِطَريقَةٍ أكثر تَهذيباً! وكان صاحِب ديوانِيَّة مَعروفة في الكُوَيت يُبالِغ في الإصرار على حُضوري مَجلِس ديوانِهِ، وكان إصراره غَريباً، فَسَألتُه يَومًا عَن السَّبَب فَقال بِأنَّ وُجودي كَشيعي، يَجعَل مَذاق الجَلسَة مُختَلِفاً، ويُقَلِّل من مشاعر الطّائفِيَّة فيها، وعندَما أخبرتُه بأنّني لَستُ كما يَعتَقد، لَم يُخفِ خَيبَة أمَلِهِ، لَكِنَّهُ استَمَرَّ على إصرارِهِ السّابِق في دَعوَتي.
هَكَذا مع المَسيحيَّة، فَوُجود مَن يَنتَمي إليها بَينَنا، كأفراد أو كَمُكَوِّن لأيّ من مُجتَمعاتنا أو دُوَلنا، يُعطي ذَلِكَ المُجتَمع وتِلكَ الدَّولَة نَكهَةً عالِيَةَ القيمَة، وطَعمًا مُمَيَّزاً، بِسَبَب كَمّ الثّقافة والانفِتاح والتَّسامُح الّذي يَحمِلُهُ المَسيحي بِشَكلٍ عام، كَما يُعطي الكَيان عُمقًا أكبر وصدقِيَّة أعلى، مَحَلِّيّاً وعالَمِيّاً.
المعلّم الهندي
مُواجَهَتي الأولى مَع شَخص يدين بالمسيحِيَّة، كانت مع مُعَلِّم اللُّغة الإنجليزيّة الهندي "توماس"، وكان ذَلِكَ قَبلَ سَبعين عاماً، دون أن أفهم حينها ما كانت تَعنيه المَسيحيَّة، أو ما يُمَيّز المُنتَمين إليها.
كان والدي تاجِراً مَهووساً بتَعَلُّم الإنجليزيّة، من مُنطَلَق حُبِّهِ للأدب، ونهمه للقراءة، فَوق حاجَتِهِ الماسَّة لإتقان لُغَة أجنبيّة، بِسَبَب حاجَتِهِ لَها لِأداء أعمالِهِ التجارِيَّة... على الرُّغمِ من جُهودِهِ المُضنِية في تَعَلُّمِها، والّذي تَمَثَّلَ في وُجود قاموس "إلياس أنطون إلياس"، طَبعَة العام 1952 بَينَ يَدَيهِ دائماً، وإصرارِه ِعلى تَحَمُّل مشقّة الالتِحاق بالمعهد البريطاني حينَها، في منطَقة "القبلة"، الّذي كان يَبعُدُ كثيراً عن بيتنا، وما كان يَعنيه ذَلِكَ من جُهدٍ ووَقت، إلّا أنَّهُ استَسلَمَ في النِّهاية، بَعدَ أن شَعَرَ أنّ لَيسَ بِمَقدورِهِ إتقانَها كَما يَنبَغي، وبالتّالي وَضَعَ آماله في ابنِهِ البِكر، الّذي تَوَقَّع أن يَخلُفَهُ في تِجارَتِهِ، فأحضر"توماس" لِيُعَلِّمَني الُّلغَة، ولَكِن بَعدَ دُروسٍ ثَلاثة أو أربعة، ذَهَبَ توماس لِوالِدي وأخَبَرَهُ بِكُلّ أمانة، أن يُوَفِّرَ ما كان يَدفَعَهُ لَهُ، لِأنَّ تَركيز ابنِهِ كان خارِج غُرفَةَ الدَّرس!
مَوقِفُ توماس المُتَمَثِّل بِرَفضِهِ تَلَقّي مالًا دون مُقابِل، دَفَعَ أبي لِتكرار الإشادة بأمانَتِهِ، وكان يَقول بِأنَّ مَن نُسَمّيهِم "مَسيحيّين أو نَصارى"، هُم أكثر أمانة مِنَ الكثير بَينَنا! وقد التَصَقَت كَلِماتُهُ تلك في ذِهني، وأنا طِفلٌ وبَقِيَت معي إلى الأبد، خاصّةً أنّني كُنتُ أُجَرِّب، يَومِيّاً تَقريباً، عدم أمانة غيرهم، وأتَلَمَّسَها في عَمَلي في المَحَلّ، الّذي كان يَقَع في سوق الطّحين، المُتَفَرِّع من شارِع فلسطين (الغربللي سابقًا)، وعندما كُنتُ أقوم، مع سائق المَحَلّ في الفترة المَسائِيَّة بالذّات، بِتَحصيل الدُّيون من البَقالات والمَخابِز، كُنتُ أُعاني الكَثير مِنَ الكَذِب في المَواعيد، والغشّ في ما كان يُدفَع لي من أموال، وأنا في تلك السّن اليافِعَة، فكَرِهتُ التّعامُل مَع تلك الأصناف مِنَ البَشَر، وكَرِهتُ بالتّبَعِيَّة تِجارَة والِدي، وهذا ما دفعني لأن أخبره يوماً بأنّني لن أكمل دراستي، وسأجد وظيفة، وأكمل تعليمي في المدارس الحكومية الليليّة.
قراري بِتَرك الدِّراسة والعَمَل شَكَّلَ أهمَّ نُقطَة تَحَوُّل في حَياتي، حَيثُ انتهى بي مَطاف البَحثِ عن العَمَل لِدى "بَنك الخَليج"، مُوَظَّفاً صَغيراً، بَل أصغَر المُوَظَّفين سِنّاً، وراتِباً، حَيثُ لَم يَزِد ما كُنتُ أحصُل عَلَيه شَهرِيّاً عَن راتِب الفراش العماني أو اليَمَني بِأكثر من خَمسَة دَنانير!
بنك وبحيرتان
وَجَدتُ نَفسي في البَنك في بُحَيرَتَين صغيرتَين؛ الأولى هِنديّة، كان غالِبِيّة مُوَظّفي البَنك مِنهُم، والثّانية مَسيحيّة، إذ كانت الإدارة العُليا بَريطانيّة، فضلًا عن نسبةٍ كَبيرة مِنَ المُوَظّفين العَرَب مِنَ المَسيحيّين، والسَّبَب، كَما عَرَفتُ تالِياً، يَعودُ لاهتِمام الأُسَر الأُردُنِيّة والفلسطينيّة، المَسيحيّة بالذّات، بإرسال أبنائها للمدارس الّتي تديرها الإرساليّات والكنائس والراهبات، والّتي كان اهتمامها بِتَدريس الإنجليزيّة أكبر بِكَثير من اهتِمام المَدارِس الحُكومِيّة، أو المَدارِس الأهلِيّة الأخرى. كما شمل الوضع ذاته بَقِيَّة مُوَظّفي البَنك من أرمَن وأشوريّين وعَرَب مِنَ العِراق، ومن سوريا وأقباط مِصر، لأنّ غالِبِيّة عَمَلِيّات المَصارف يَومَها كان يَتِمّ أداؤها، بالدَّرَجَة الأولى، ورُبَّما لا يزال الوَضعُ كذلك، ولِأسباب مَعروفَة، بالإنجليزيّة، ومَن لَم يَكُن مُلِمّاً بِها لَم يَكُن لَهُ نَصيب في العَمَل في البَنك، مع استثناء مَن كانوا يَقومون بِعَمَلِيّة بَسيطة أو باستِلام وتَسليم النَّقد من وإلى عُمَلاء البَنك، إذ كانوا جَميعاً مِنَ المُواطِنين الكُوَيتِيّين، ووَظيفَتُهُم لَم تَكُن تَتَطَلَّب أيَّ إلمامٍ بالإنجليزيّة!
لأسبابٍ تَتَعلَّق بِكَوني المُواطِن الوَحيد في ذَلِكَ الخَضَمّ الجَميل مِنَ المُوظَّفين الوافِدين، أو المُقيمين، ورُبَّما أيضاً لأنَّني كُنتُ مُوَظّفاً مُثابِراً على عَمَلِهِ، وقَليل الشَّكوى، ومُلتَزِماً بِكُلّ القَواعد، فقد أفادني تفرّدي كمواطن كويتي وضعفي اجتماعيّاً، إذ أصبَحتُ أتلقّى دَعَوات مِنَ البَعض مِنهُم للالتِقاء بِأُسَرِهِم، وقَضاء بَعض الوَقت مَعَهُم، على العَشاء غالِباً. وعندما أتَذَكَّر أسماءهم ووجوههم الآن، يَتَبَيَّن لي أنَّ غالِبِيَّتَهُم كانوا مِنَ المَسيحيّين العَرَب أو الهُنود، وتالِياً مِنَ البَريطانيّين، بَعدَ أن أصبحتُ في مَرتَبَة وَظيفِيَّة أعلى. وكانت تِلكَ المُواجَهَة أو الاحتِكاك المُباشَر مَبعَثَ دَهشَةٍ أوّلًا، وسَعادة ثانيَة، فَقَد شَعَرتُ وكَأنَّني "ألِيس في بِلادِ العجائب"، دون مُبالَغَة كَبيرَة، فالعالَم الّذي دَخَلتُه كان مُختَلِفاً، وأكثَرَ صَراحَةً وصِدقِيَّةً مع النَّفس مِنَ العالَم الَّذي كُنتُ أنتَمي إلَيهِ، وأكثَر انسِجاماً. فَوالِدي مَثَلاً كان يَتَناول الخَمرَةَ في مَجالِسِه الخاصَّة مَع رِفاقِهِ، وكُنتُ أراهُ يَقوم بِذَلِكَ وأنا لَم أتَجاوَز العاشِرَة مِنَ العُمر، لَكِنَّهُ كان يَتَصرَّف بِطَريقةٍ وكَأنَّهُ أبعَد ما يَكون عَن تَناوُلِها، ولَم يَكُن يُدخِلها البَيت أو يَسمَح بالحَديثِ عَنها، وهَذا ما خَلَقَ في نَفسي شَيئاً مِنَ الرَّياء أو الهيبوكريسي (Hypocrisy)، أيّ القِيام بِتَصَرُّف ما وعكسه في الوَقت نفسه، دون الشُّعور بالذّنب، الأمر الّذي انعَكَسَ على الكَثير من تَصَرُّفاتي تالِياً. ولا أتذكَّر أنَّني صُمتُ في شَهر رَمَضان يَوماً، أو قُمتُ بِأداء الصَّلَوات اليَومِيَّة، خاصَّةً وأنَّني لَم أعرِف حَقيقَة نَصِّها إلّا بَعدَ أن تَجاوَزتُ الخامسة والأربعين من العُمر، وكان جَوابي دائماً بـ "نعم" ردًّا على أسئلة جَدّي، الّذي كان يَحرِصُ على نَشأتي الدّينيّة، ووالدتي، كُلَّما سألاني إن كنتُ صائماً أو إن كُنتُ قَد أدَّيتُ صَلاة الفَجر مَثلاً، وهيَ الأصعب في تَوقيتِها، مُقارَنةً بالصَّلوات اليَومِيّة الخَمس.
حياتان مختلفتان
صُعوبة الالتزام أو التقَيُّد بِكُلّ الواجِبات الدّينيّة اليومِيَّة أو الموسِمِيَّة، وصُعوبَة الاعتِراف بِعَدَم أدائِها، خلقَ من مجاميع كبيرة مِنَ المسلِمين، بِشَكلٍ عام، ولَم أكُن حالةً استثنائيّة بَينَهُم، لِفَترَة طالَت بَعضَ الشَّيء، مَجموعةً من "المُرائين أو الهيبوكرت" الّذين يَعيشون حَياتَين مُختَلِفَتَين، ويَجبَنون عَن الإقرار بالحقيقة، بِسَبَب الضّغط الاجتِماعي. وهَذا ما لَم أكُن أُلاحِظُه في بُيوت زُمَلائي وأصدِقائي مِنَ المَسيحيّين، الّذين لَم يَكونوا مِثالِيّين، بَل طَبيعيّين بِشَكلٍ واضِح، مُقارَنَةً بالمُجتَمَع الكُوَيتي المُلتَزِم دينيّاً "في الظّاهر". والسَّبَب رُبَّما يَعود لِما تَمتازُ بِهِ العَقيدَة المَسيحيَّة من سُهولَة نِسبِيَّة اتّجاه الكَثير مِنَ الأُمور الّتي يَعتَبِرَها غَيرَهُم غَير عادِيَّة، وهَذا رُبَّما جَعَلَهُم في أعيُن الآخرين، مُتَسامحين مع أنفُسِهِم ومَع الغَير أكثر، وهَذا رُبَّما جَعَلَ مُعاشَرَتَهُم أكثر سُهولَة، دون الاضطِّرار لِلّجوء لِلكَذِب والخِداع، والعَيش في حالة إنكارٍ مُستَمِرَّة. فالإنسان بِطَبيعَتِهِ لا يَوَدُّ أن يُخالِف عادات وتَقاليد مُجتَمَعِهِ، وخاصَّةً تِلكَ المُرتَبِطَة بالعقيدة الدّينيّة. ولِعَجزِ الغالِبيَّة عَن التَقَيُّد الصّارِم بِمُتَطَلِّبات ووَاجِبات وفَرائِض الدّين، ولِوُجود ضَغط أُسَري ومُجتَمَعي مُستَمرّ لِلتَقَيُّد بِها، لِذا يَكون الرّياء أو الكذب هو المَخرَج الوَحيد مِنَ المأزِق. ولتُصبِح هَذِهِ العادَة الذّميمَة مَع الوَقت، جزءًا من شَخصِيَّة الكَثيرين، وهيَ ظاهِرَة لا نَجِدَها بِكُلّ تِلكَ الفَجاجَة خارِج المُجتَمَعات الإسلامِيّة، والعربيّة بالذّات.