جويل غسطين

كارولين طايع زعرب تُحيي التّراث بلغة اليوم

"كاره وكواره" كتاب يربط الجيل الجديد بجذوره

5 دقائق للقراءة

بين دفَّتَي الكتاب الجديد "كاره وكواره"، تفتح الرّوائية اللّبنانية كارولين زعرب طايع نافذةً على التّراث الشّعبي اللّبناني، لتغوص في تفاصيل العادات والتّقاليد الّتي شكّلت وجدان المجتمع لعقود طويلة. من طقوس الزّواج إلى الزّراعة، ومن عادات التّدخين إلى تفاصيل الحياة اليوميّة، تستعرض طايع تلك الملامح بأسلوبٍ "حكواتيّ" يمزج بين المتعة والحنين، ويعيد الحياة لصُوَر منسيّة من الماضي.

اللّافت في كتاب "كاره وكواره" أنّ مؤلّفته اختارت العاميّة اللّبنانية لتخاطب من خلالها أبناء الجيل الجديد بلغتهم اليوميّة التي تشبههم، محاولةً من خلالها ربطهم بجذورهم الثّقافية والاجتماعيّة، وإعادة تعريفهم بما يعتبرونه قديماً أو غير مرتبط بعالمهم المعاصر. فمضمون كتاب كارولين زعرب طايع ليس مجرّد توثيق لحياةٍ مضت، بل هو مرآة تعكس واقعاً تغيّر، ودعوة مفتوحة لقراءة الماضي بعيون الحاضر، لا كنوع من الحنين فقط، بل كخطوة لفهم الذّات والهويّة في عالم سريع التّبدّل.



ذاكرة حيّة للبيت اللّبناني 

لم يكن اختيار طايع لعنوان كتابها عبثيّاً أو عابراً، بل جاء يستحضر ذاكرة الحياة اللّبنانيّة القديمة، ومفردات البيت التّراثي الّتي بدأت تندثر تدريجيّاً من وجدان الأجيال. فـ "الكاره"، هي تلك الوسادة القماشيّة الّتي كانت تحمل أرغفة خبز المرقوق برفق الأم وحرص الجدّة، من يد السّيدة الخبّازة إلى حضن التّنّور. وهي لم تكن مجرّد أداة، بل تجسيداً لبساطة الحياة، حيث التّفاصيل الصّغيرة كانت تشبه الطّقوس المقدّسة.

أما "الكواره"، المصنوعة من القشّ والطّين، فكانت خزانة الأسرار. تحفظ المؤونة والذّكريات معاً، وتختزن في قلبها التّرابيّ البسيط روائح الزّمن الجميل، وطمأنينة البيوت الّتي بُنيت من الحبّ أكثر ممّا بُنيت من حجر.



وبين الكاره والكواره، ينسج العنوان خيطاً رفيعاً من الحنين، يحمل القارئ إلى بيت الجدّة، إلى الغرف الطّينية، إلى دفء "الضيعة"، حين كان لكلّ شيء معنى وقيمة. وكأنّ الكاتبة تقول لنا: إنّ الماضي، رغم بساطته، كان غنيّاً بـ "الكواره" الّتي نخبّئ فيها حبّنا الأوّل للحياة. بهذا العنوان، لا تُحيي طايع مجرّد أدوات منسيّة، بل تبعث دفئاً إنسانيّاً يذكّرنا بأنّ بعض الأشياء، وإن غابت عن أنظارنا، تظلّ ساكنةً في قلوبنا وحيّةً في ذاكرتنا.



من الكتاب إلى المسرح

حفل توقيع كتاب "كاره وكواره" لم يكن أقلّ تميّزاً من مضمونه، إذ انتقلت كلماته من صفحات الورق إلى عرضٍ حيّ على خشبة المسرح، أبطاله أطفال مركز "بيت الرّجاء" والعاملون فيه، في تجربةٍ فريدة هدفها تقديم القصّة بأسلوبٍ ممتع وشيّق. الحفل أقيم منتصف شهر نيسان الجاري، بحضورٍ لافت تجاوز عدده 500 شخص من بينهم شعراء وروائيّون وأصدقاء مركز "بيت الرّجاء" للأطفال، وهو المركز الّذي تتولّى الرّوائية كارولين زعرب طايع إدارته، والّذي كان له نصيب كبير من روح الكتاب.

ولأنّ الحكاية لا تكتمل من دون فعل خير، خُصّصت جميع أرباح بيع الكتاب لدعم وتمويل أنشطة المركز، في مبادرة تعكس التزام الكاتبة الإنساني بقدر التزامها الأدبيّ.



حكايات ومعلومات

وفي عودة إلى مضمون الكتاب، يتناول "كاره وكواره" جملة من القصص الغنيّة بالمعلومات التّاريخيّة والاجتماعيّة، أبرزها تلك الّتي تسلّط الضّوء على كيفيّة وصول التّبغ إلى لبنان، بدءاً من تفاصيل دخول هذه الزّراعة إلى بلادنا، وصولاً إلى انتشارها في القرى، حتى أصبحت جزءاً من الاقتصاد الريفي، مع التوقّف عند ظروف زراعتها، وأساليب معالجتها.

كما يضيء الكتاب في فصل آخر، على صناعة الحرير في لبنان، حيث يعود بالقارئ إلى زمن الأمير فخر الدّين المعنيّ الثّاني، الّذي لعب دوراً محوريّاً في تطوير هذه الصّناعة وجعلها من ركائز الاقتصاد المحلي، موثّقاً بذلك حقبة مهمّة من تاريخ لبنان الاقتصادي والثّقافي.




كارولين والأطفال

وكارولين زعرب طايع، كاتبة أولت اهتماماً كبيراً بتقديم المسرحيّات الثّقافيّة والتّرفيهيّة للأطفال، كانت أطلقت كتابها الأول منذ سبع سنوات، ثم انتقلت قبل سنتَين إلى مجال العمل الاجتماعي، حيث تولّت إدارة مركز "بيت الرجاء" الذي يهتمّ بشكل خاص بالأطفال المعرّضين للخطر بمختلف أشكال.



طايع قالت في حديثٍ لـ "نداء الوطن" إنّ أولى رواياتها المُمسرحة كانت بعنوان "كركر خيطان"، وهي عمل مستوحى من علاقتها الخاصّة بوالدتها. فكارولين الصغيرة كانت فتاة شقيّة ومتمرّدة، ما جعل أمها تعاني في تربيتها وتبذل جهداً كبيراً لاحتوائها وتوجيهها. وبعد إصابة الوالدة بمرض "باركنسون"، شعرت طايع بالحاجة إلى التّعبير عن امتنانها وحبّها لها، فكتبت تلك الرّواية بمثابة تحيّة مميّزة لها. ومن خلالها وجّهت رسالة مؤثّرة إلى الأطفال والمراهقين، تشجّعهم على احترام ذويهم وتقدير نصائحهم، التي تنبع دائماً من محبّة وحرص على مصلحتهم.


خطوات الروائيّة كارولين زعرب طايع، بين الكتاب والمسرح والعمل الاجتماعي، نالت إعجاب وتقدير العديد من العاملين في القطاعات الثلاثة، ومن بينهم الشّاعر هنري زغيب الذي تعتزّ طايع برأيه في أسلوبها وتشجيعه لها على الاستمرار بتقديم الرّوايات المُمسرحة.