د. جوسلين البستاني

واشنطن تضغط عسكرياً واقتصادياً لدعم موقفها

"المحادثات النووية"... فيلم أميركي صامت

4 دقائق للقراءة
ترامب يعتمد نهجاً حازماً مع طهران (رويترز)

استأنفت الولايات المتحدة وإيران المحادثات النووية، حيث عُقدت الجولتان الأخيرتان في كلّ من مسقط وروما. وقد تطوّرت هذه المناقشات إلى «مستوى الخبراء»، ما يُشير إلى الانتقال نحو مداولات تقنية أكثر تفصيلاً. وعلى الرغم من تحليلات الخبراء التي تملأ الفضاء الإعلامي، فإننا لا نزال نشاهد ما يشبه فيلماً صامتاً، وكلّ ما نملكه هو الموسيقى التصويرية. لا نعرف ما يدور خلف الأبواب المُغلقة بين المتفاوضين الذين يخرجون بعد كلّ لقاء ليؤكدوا إيجابية وبناءة الاجتماع.


بالتالي، فإن إعلان الطرفين استعدادهما لمواصلة الحوار لا يعني بالضرورة أن الخلافات الجوهرية قد حُلّت. فما تزال النقاط الخلافية الرئيسية قائمة، وعلى رأسها مطالبة الولايات المتحدة لإيران بوقف كلّ أنشطة تخصيب اليورانيوم. في المقابل، تُصرّ إيران على أن حقّها في تخصيب اليورانيوم غير قابل للتفاوض. وينطبق الأمر ذاته على ملف العقوبات، إذ تواصل الولايات المتحدة سياستها المُتمثلة في «الضغوط القصوى»، بينما ترى إيران في هذه الإجراءات دليلاً على انعدام حسن النية. وصولاً إلى مطلب إيران بالحصول على ضمانات تحول دون انسحاب الولايات المتحدة مستقبلاً من أي اتفاق يتمّ التوصّل إليه.


وفي هذا السياق، ورغم إعلان كلا البلدين تفضيلهما للحلّ الدبلوماسي، فإن خطر التصعيد العسكري لا يزال قائماً، نظراً لعوامل مُتعدّدة تُسهم في زيادة التوتّر، من بينها التموضع العسكري المتبادل، وتعزيز الولايات المتحدة لوجودها العسكري في الشرق الأوسط، في إشارة إلى استعداد مُحتمل لتنفيذ ضربات عسكرية. يُضاف إلى ذلك عامل الزمن، إذ حدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مهلة 60 يوماً للتوصّل إلى اتفاق.


لكن العامل الأكثر أهمية يبقى في الإرادة السياسية التي أظهرتها إدارة ترامب، إذ لم تكتفِ بالتهديد المباشر لإيران، بل بدأت تنفيذ هذا النهج عملياً ضدّ الحوثيين في اليمن، في إشارة ضمنية إلى ما قد تواجهه إيران في حال عدم التزامها بتعهداتها. وفي ظلّ تصاعد التوتّرات الإقليمية، تبذل الولايات المتحدة جهوداً لوجستية كبيرة لتعزيز قدرات إسرائيل العسكرية.


إذاً، في حين تبقى إمكانية تحقيق انفراجة دبلوماسية قائمة، غير أن عقبات كبيرة لا تزال تعترض طريقها، وهنا يبرز التساؤل: ما هي الأوراق التي تحملها إدارة ترامب إلى طاولة المفاوضات؟


منذ البداية، طُلب من إيران أن تضع سياسة واضحة لنزع السلاح النووي، باعتبار هذا المطلب هو أساس المفاوضات التي حُصرت في إطار ضيّق في مراحلها الأولى، لكي يبقى التركيز على هذا الهدف الأكبر. فالمفاوضات الواسعة النطاق قد تمنح إيران فرصة لتشتيت الانتباه عبر الخوض في تفاصيل قضايا ثانوية، ما من شأنه أن يُضعف التركيز المطلوب على المسألة النووية، التي تُعدّ مِحور الجهود الحالية. ويأتي هذا التوجّه بالتوازي مع الإبقاء على الضغوط العسكرية والاقتصادية كأدوات داعمة للموقف التفاوضي الأميركي.


صحيح أن هناك مقولة شهيرة لأحد القادة السابقين في القيادة المركزية الأميركية تصف نهج النظام الإيراني، حيث قال: «لم تشهد إيران حرباً يُمكن أن تكسبها، ولا مفاوضات يُمكن أن تخسرها»، غير أن المسار الحالي يبدو مختلفاً، فالنظام الإيراني، الذي كان دائماً مُدركاً لحجم القدرات العسكرية الأميركية، كان أيضاً مُشكّكاً في جدّية الإرادة السياسية في واشنطن، إلّا أن هذه المعادلة تبدّلت بشكل كبير مع إدارة ترامب، التي لم يتردّد رئيسها في الماضي باغتيال قاسم سليماني.


وأظهرت إدارة ترامب استعداداً واضحاً للمخاطرة بالتصعيد من أجل فرض إرادتها في المفاوضات، وهو ما يُشكّل فارقاً جوهرياً في مقاربة التفاوض مقارنة بالإدارة السابقة. بالتالي، تكمن قوّة ترامب التفاوضية في عنصر لا يقين، إذ يصعب التنبّؤ بقراراته، وهو مُستعدّ لتغيير مسار سياساته بشكل جذري في أي لحظة.


وعلى الجانب الإيراني، إذا كانت مُهمّة الثورة تاريخياً أن تُورَّث من جيل إلى آخر، فإن الفرنسيين فشلوا في ذلك، وكذلك الروس. أمّا الإيرانيون، فقد أظهروا فهماً عميقاً للتاريخ، وهم يدركون أن بقاء النظام يتطلّب أحياناً تقديم تنازلات مدروسة. فإذا كان النظام حريصاً على استمراريّته، فلن يتجاهل الحدّ الأدنى من مطالب ترامب، وعلى رأسها تفكيك برنامج السلاح النووي، تجنباً لاحتمال تفكيكه بالقوّة.