رحل البابا فرنسيس، تاركاً خلفه سجلاً من الزيارات التاريخية إلى بقاع عديدة من العالم، كان من أبرزها زيارته إلى الإمارات والعراق والبحرين. ومع ذلك، ظل لبنان- الذي لطالما اعتُبر من الفاتيكان بلداً ذا خصوصية- من بين الدول التي لم تشملها زياراته، رغم الإشارات المتكررة إلى رغبته في ذلك.
زيارة البابا: مسار معقد وتحضيرات دقيقة
لطالما خضعت زيارات البابا فرنسيس، كما سابقيه، لتحضيرات دبلوماسية دقيقة، تبدأ بدعوة رسمية من الدولة المستضيفة والكنيسة المحليّة، وتتبعها موافقة الفاتيكان، ثم تشكيل لجان مشتركة للتنظيم، وتنسيق أمني وإعلامي شامل. وكان العرف أن يُعلن الفاتيكان أولاً عن أي زيارة، احتراماً للتراتبية الرمزية والدينية.
لبنان... بلد ينتظر الزيارة التي لم تأتِ
في أحلك ظروفه، بعد انفجار مرفأ بيروت في 2020، وجّه البابا فرنسيس كلمات دعم مؤثرة إلى اللبنانيين، وأعرب في أكثر من مناسبة عن رغبته بزيارتهم. لكن هذه الزيارة لم تتم، رغم جهود ودعوة الكنيسة اللبنانية المستمرة.
أسباب عدم الزيارة... واقع معقّد وموقف دقيق
رغم رغبة البابا فرنسيس المتكررة في زيارة لبنان، حالت ظروف البلاد دون تحقيق هذه الزيارة. فقد شكّل الانقسام السياسي المزمن، والفراغات المتكررة في مواقع السلطة عائقاً أمام التحضير الرسمي المناسب، فيما أدّت الأزمة الاقتصادية والتدهور الأمني إلى غياب الحد الأدنى من الضمانات اللازمة لمثل هذه الزيارة. إلى ذلك، رأت دوائر الفاتيكان أن لبنان، في ظل أزماته المتشابكة، قد لا يكون مهيّئاً لتحقيق الأثر المرجو من الزيارة. وجاءت خطوة الإعلان الأحادي من الرئاسة اللبنانية عن موعد للزيارة قبل تنسيق مسبق مع الفاتيكان لتضيف بُعداً سياسياً غير مرغوب فيه، ما دفع الفاتيكان إلى تأجيل الزيارة ببيان مقتضب أشار إلى "أسباب صحية"، لكنه حمل بين سطوره تحفظاً دبلوماسياً على ظروف الإعلان وسياقه.
زيارة لم تُلغَ… لكنها لم تتحقق
حتى وفاته، لم يُغلق البابا فرنسيس نهائياً باب زيارة لبنان، لكنه لم يجد الظرف المناسب الذي يضمن أن تكون الزيارة فعل رجاء حقيقي، لا مجرّد صورة عابرة في أرشيف السياسة اللبنانية.
وبرحيله، تُطوى صفحة لم تُكتب، ويبقى لبنان في انتظار زيارة بابوية أخرى قد تحمل معها بعض الأمل لشعب اعتاد على خيبات الأمل.