يودّع العالم اليوم البابا فرنسيس، رأس الكنيسة الكاثوليكيّة في العالم، وأحد الذين لم يستفيدوا من موقع ديني لتحقيق مجد دنيوي، بل سعى للتقرّب من الفقراء والمهمّشين، وجاهد لتكون سنين حبريّته مساحة لإعلاء صوت الرحمة وسلوك طريق الإصلاح في المؤسسات الكنسيّة، التي ككلّ مجتمع، كبر أم صغر، فيه الصالح وفيه الطالح.
وعلى مثال الحبر الأعظم الراحل، حمل كثيرون من رجال ونساء الكنيسة حيثما كان في هذا العالم، رسالة المحبّة والعطاء في خدمتهم داخل المجتمع. رسالة لم تقتصر يوماً على المكرّسين فحسب، بل شملت دوماً علمانيّين أحسنوا الاستثمار في وزناتهم فأثمرت أعمال خير وتقوى في مجتمعاتهم.
ولعلّ الحلقة الاستثنائيّة ليلة الخميس الماضي، من برنامج "صار الوقت" الذي يقدّمه الإعلامي مارسيل غانم على شاشة "mtv"، كانت خير مؤشّر على أن فعل الخير والمحبّة واحتضان "إخوة يسوع الصغار"، أمور لا يقتصر القائمون بها على من كرّسوا العمر للكهنوت أو الرهبنة.
فإذا كانت رهبنة الطوباوي يعقوب الكبوشي و "بناته" راهبات الصليب، اخترن سلوك درب السماء انطلاقاً من التزامهنّ على الأرض بتعاليم السيّد المسيح رأس الكنيسة، وباحتضانهنّ الفقير والمريض والمشرّد، فإنّ الخطوة التي سلكتها "mtv" وأسرة "صار الوقت" بتنظيم واحتضان الماراتون التلفزيوني الذي أثمر حوالى 5 ملايين دولار أميركي لدعم استمرار خدمات "مستشفى الصليب للأمراض العقليّة والنفسيّة"، هي من دون شك استمراريّة لنهج البابا فرنسيس والأب يعقوب وكلّ راهب وراهبة وكاهن ومكرّسة أخذوا الإنجيل المقدّس دستوراً لحياتهم، وسمعوا صوت القائل: "كل ما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه" (متى 25:40).
ما جرى على الشاشة الصغيرة ليلة الخميس، أثبت مرّة جديدة، أنّ للإعلام دوراً منقذاً في اللحظات الحرجة، وأنّ للّه سبله وطرقه وناسه ليؤكّد من خلالهم للإنسان الذي أوجده الخالق على صورته ومثاله، أنه غير متروك على هذه الأرض مهما اشتدّت الصعوبات وقست الظروف.
صحيح أنّ المهمّة الأولى لوسيلة الإعلام هي إيصال الخبر إلى المتلقّي، لكن في لبنان وحتى إشعار آخر، أي حتى تقوم لنا دولة تتولّى بمؤسستها المعنيّة خدمة مواطنيها، ستبقى لوسائل الإعلام والإعلاميين أدوار متعدّدة، بينها دور المنقذ، كلّما كان ذلك ضرورياً.