غالباً ما كانت أحداث حرب أيلول وتشرينَي 2024 المدمّرة التي شهدها وطني لبنان تنقلني إلى ذلك الفتى ذي الإثني عشر ربيعاً الذي كنته خلال حرب 1967 المزلزِلة.
بشكل لاإرادي كانت خواطري تستحضر، وبكل أسى، ما جرى في ذلك الماضي وتقابل بينه وبين ما كان يجري في هذا الحاضر.
ولقد تركّزت تلك المقارنات على أوجه شبه أربعة وتباين لافت، وهي مفصُلة كما يلي، وبكل موضوعية.
1) في الخلفية التاريخية والنتائج
كان العالم العربي قد أُشبِع تلقيناً أن مصر ذلك الزمان كانت قد بلغت من القوة العسكرية حداً بمقدوره رمي إسرائيل في البحر.
وجه الشبه هنا مع لبنان 2024 هو ما كان يُعتَد به بأننا قد كسرنا التفوق الاستراتيجي وأقمنا توازناً في قوة الردع العسكرية نظراً لامتلاكنا ترسانة صاروخية قادرة على الضرب في أعماق "الكيان" والوصول إلى بعد وبعد وبعد...
في الزمنين، أشارت التحليلات اللاحقة إلى أنه قد حصل انتفاخ في الاعتداد بالذات أدّى إلى ارتفاع منسوب التحدي إلى درجة عليا من عمى البصيرة، ما أدّى بدوره إلى أخطاء استراتيجية في القرار السياسي. كما أنه تم تصوير ذلك التحدي للجماهير، وتصوّره من قِبَل القادة في آنٍ معاً، بأنه ينطلق من أرضية واقعية صلبة، لا بل منطقية.
في شهر أيار من العام 1967 طلب الرئيس جمال عبد الناصر من يوثانت، أمين عام الأمم المتحدة آنذاك، سحب قوات الطوارئ الدولية من منطقة شرم الشيخ ومضيق تيران، وهي التي كانت قد تمركزت هناك إثر "العدوان الثلاثي" الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عقب تأميم قناة السويس في عام 1956 وقام الرئيس الأميركي أيزنهاور بإفشاله، راداً بذلك تلك الحملة على أعقابها (وهذه حقيقة تاريخية معلومة) ومفتتحاً تحلّي الولايات المتحدة باليد الطولى في منطقتنا من العالم بدلاً من فرنسا وبريطانيا العظمى.
نقلة الشطرنج غير المحسوبة تلك من قِبَل الرئيس المصري، والتي أقرنها بقراره اللاحق بإغلاق المضيق بوجه الملاحة البحرية الدولية ومن ضمنها الإسرائيلية، أدّت إلى تفعيل العدو لخططه العدوانية المحضّرة في الأدراج وأعطته الذريعة لشن حرب استباقية خاطفة انقضّ فيها بشكل ساحق على ثلاث جبهات شملت مصر وسوريا والأردن، وهي ما سُمّيت "بحرب الأيام الستة". بالنتيجة، خسرت تلك الدول العربية على التوالي شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة، وهضبة الجولان نزولاً إلى بحيرة طبريا، والضفة الغربية لنهر الأردن بالإضافة إلى القدس الشرقية.
في المقلب اللبناني عام 2024، كنا قد أشبعنا القرار الأممي 1701 الذي أتى في أعقاب حرب 2006 تجويفاً، و أمعنّا بقوات "اليونيفيل" ترهيباً من قِبَل "الأهالي"، تارةً من ناحية الحدّ من حرية تحركها في الجنوب و تارةً أخرى بقتل أحد عناصرها في حادث ملتبس أعقبته ما وُصِف بأنه عدالة منقوصة. زِد على ذلك، وهذا ما جعل الدب يقبل الدعوة إلى كرمنا، أطلقنا بعدها حرب "المشاغلة والإسناد" رغم كل المناشدات الداخلية والنصائح الخارجية بعدم المضي بها. لا حاجة هنا للتذكير كيف تصرّف العدو ذاته لدى إعطائه الذريعة، اذ قام بحرب استباقية ماحقة لا مجال للمقارنة مطلقاً بين ما أحدثته لدينا من تدمير واسع النطاق وما أحدثنا نحن لديه جراء ضربات جاءت جد متواضعة في المقابل. كما أعقب ذلك تمركز إسرائيل في خمس نقاط ذات سيطرة استراتيجية ضمن الأراضي اللبنانية كانت مُحرّرة بالخالص من العدو نفسه منذ أكثر من عقدين.
2) في مجرى الأحداث
في ذلك الزمان "تحطمت الطائرات عند الفجر" كما شاع التعبير، من طرازات "ميغ" و"سوخوي" السوفياتية التي كانت تقارع في تقدّمها طائرات "ميراج" الفرنسية لدى سلاح جو العدو، إذ تم تدميرها على مدارجها وفي حظائرها. أضحى محاربنا العربي على الأثر أعزل بفعل فقدانه أي غطاء جوي، ما مكّن الطيران الحربي للعدو من ارتكاب مجازر رهيبة لا تزال موثّقة بصور أرتال الدبابات والآليات المقصوفة والمدمّرة، وجثث الجنود المحروقة بقنابل النابالم والمنثورة على طول خطوط الانسحاب في شبه جزيرة سيناء.
أما في هذا الزمان، فلا تزال الذاكرة طريّة بما حدث من تدمير للمرابض المخفية وللصواريخ الثقيلة في أنفاقها، وما ارتُكب بلا تمييز بحق أهلنا من المدنيين العزّل في الجنوب والبقاع والضاحية من فظائع تقشعّر لها الأبدان ولا ينفك أصحاب الحس الإنساني حول العالم ينددون بها حين يسترجعونها.
3) في الإعلام الحربي
ولعل أكثر ما ظل محفوراً في ذهن ابن الإثني عشر عاماً ذاك هو التضليل الإعلامي الذي اختبره آنذاك. ففي عمره المتقدم أثناء الحرب الأخيرة وجد نفسه شاهداً على مثيله، مع فرق جذري أنه في ذلك الماضي كان "ولداً" قابلاً لتصديق الأساطير بينما حاضراً كان قد نضج كفاية، ومن عقود خلت، للتمييز بين الحقائق و ضروب الخيال.
في عام 1967 كان صوت أحمد سعيد من "صوت العرب من القاهرة" يلعلع من دقيقة لأخرى معلناً إسقاط طائرات العدو بالعشرات، وأناسنا الطيبون يسجّلون تلك الأرقام المتصاعدة بالطبشور على ألواح سوداء مثبّتة بأرجل على الأرصفة خارج متاجرهم، وهم يهلّلون.
في الحرب الاخيرة، ودون انتقاص من المواقع البطولية والالتحامات من "المسافة صفر" التي حصلت، وبكل احترام لنفوس الذين ارتقوا، لم يخلُ الإعلام الحربي الموجّه من إطلاق المبالغات عن مجريات "الميدان". لا بل أن ما كان يُشيّع على أن الالتحام الميداني الواسع هو الظرف الآتي والمرتجى لتكبيد العدو خسائر بشرية بالغة، قابله تركيز هذا الأخير على استراتيجية القصف المهول من الجو والتفجير الموقعي من جراء عمليات كوماندوس تقوم بالتسلّل وتفجير المواقع المستهدفة.
كما أن التاريخ أعاد نفسه بأن خُلٍقَت لأناسنا الطيبين آمال بأن الأمور تحت السيطرة وأن مرحلة إطلاق الصواريخ الثقيلة بعيدة المدى قد دنت، وهذا ما لم يحدث إذ كان مخزونها الاستراتيجي قد تحطّم و دُمّر.
كما أن ما كان يُصور، عن أن قوة النخبة لا تزال على جهوزيتها للقيام حتى باحتلال أراضٍٍ شمالية للعدو، لم يجد سبيلاً لأن يتحقق نظراً لما حلّ مسبقاً بالآلاف من كوادرها وعديدها من إصابات جراء عملية "البيجر"، فضلاً عن الاغتيالات التي طالت قادتها.
4) في المجال الاستخباري
أما وجه الشبه الأخير، فهو ما يُجمِع عليه أعضاء مجتمع الاستخبارات في العالم في كتاباتهم ومقابلاتهم على أن التفوق التقني والتكنولوجي وحده لا يكفي لربح أي حرب إذ لا بديل يعلو عن قيمة المعلومات الاستخباراتية التي يوفّرها العنصر البشري على الأرض والذي يُرمز إلى أصحابه بتعبير "الأصول".
أُُهرِق حبر وفير في هذا الموضوع مع الإشارة إلى أسماء عالية الشأن بخصوص ما حدث في 1967. وفي حاضرنا، حملت بعض الأنباء الاستقصائية الأولية دلالات على أشخاص سهّلت إخباراتهم للتكنولوجيا ووسائل الهجوم لدى العدو أن تفعل فعلها بشكل محكم في التوقيت والتصويب والفتك.
5) في الاعتراف بنتيجة الصراع
هنا يدخل التباين في المقارنة المسرح. فالحق يُقال إنه إثر حرب 1967، طلع الرئيس عبد الناصر على ملايين الجماهير المصرية والعربية قاطبةً وصارحهم معترفاً بالخسارة، ملطِّفاً اياها بتعبير "النكسة" الحامل لأمل النهوض من الكبوة، بينما في 2024 ولتاريخه لا ينفك القادة الذين بقوا في الساحة يروّجون لانتصار لم يتحقق على أرض الواقع، بشهادة اتفاق وقف الأعمال العدوانية الذي وافقوا عليه.
في الخلاصة، لا بد أن أهل "البيئة" ( وهم مواطنونا أولاً وأخيراً) يدرون في قرارة أنفسهم حقيقة ما آلت إليه الأمور، حتى في خضم السجال القائم حالياً بخصوص تسليم السلاح الباقي. إلا أنه، وبحكم الطبيعة البشرية التي تغلب عليها غريزة البقاء، لا بد أنهم ينتظرون ما ستؤول إليه الأحوال في ما يختص بمستقبل مصالحهم الحياتية، وأهمها إعادة الإعمار على يد الدولة الجديدة الناشِئة وبموجب تداولاتها مع القوى الكبرى المؤثِّرة إقليمياً وعالمياً.
لذا نبقى على أمل أنها مسألة وقت فقط قبل أن تتيح تطورات السياسة العالمية وانعكاساتها الإقليمية تحقيق ما نصبو إليه في هذا الوطن الحبيب من استقرار يمهّد لانطلاقة نهضوية على كل الصعد، متحرّرة من كل سلبيات الماضي ومتطلّعة إلى تحقيق الخير بكل ديمقراطية لجميع الشركاء في الوطن، في كنف دولة قوية وجامعة وعادلة.