مع اقتراب موعد انطلاق الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان، غزت صور المرشحين مواقع التواصل الاجتماعي، حيث لم يعد يخلو يوم من منشور جديد يعلن فيه أحدهم عزمه على دخول السباق، سواء لرئاسة البلدية أو لعضويّتها أو للمخترة، ما جعل العمليّة الانتخابيّة أكثر ديناميكية وتفاعليّة من أي وقت مضى.
في الواقع، تختلف الانتخابات البلدية عن النيابية بطبيعتها، فالعائلات والعلاقات الشخصية هي الأساس في القرى والبلدات الصغيرة، مع غياب شبه كامل عنها للأحزاب والمال السياسي، فيما تظهر الحملات الدعائية المكثفة عادةً في المدن والبلدات الكبرى فقط.
ومع هذا الطابع المحلي للمعركة، برزت وسائل التواصل الاجتماعي كأداة فعالة سمحت للمرشّحين، حتى في أصغر القرى، بالتعبير عن أنفسهم وإيصال أصواتهم إلى جمهورهم بطريقة أسرع وأوسع ممّا كان متاحاً في السابق، من خلال حملات إلكترونية منخفضة الكلفة.
لكل مرشّح فرصته
وبعكس الإعلانات التقليدية التي تروّج غالباً لرئيس اللائحة أو تكتفي بصورة جماعية تجمعه مع الأعضاء، أتاح الفضاء الرقمي لكلّ مرشح فرصة فردية للظهور، عبر منشور مكتوب أو فيديو قصير يختصر فيه رؤيته وتعهداته بأسلوب شخصي واحترافي نسبياً.
لكن ما يثير الانتباه، أنّ هذه الإعلانات، غالباً ما حملت خطاباً موحّداً يؤكد أنّ الترشح لا يأتي طمعاً بلقب أو منصب، بل التزاماً بخدمة الناس والعمل من أجلهم. فيما تنهال عليها التعليقات بالتهاني والدعوات بالتوفيق.
ليس هذا فحسب، بل فتحت منصّات التواصل المجال أمام فئات طالما كانت على هامش الحياة العامة، لتكسر الصمت وتدخل مباشرة في قلب المشهد البلدي. من بين هذه المبادرات اللافتة، إعلان سيّدة من ذوي الاحتياجات الخاصة عبر صفحتها في «فايسبوك» ترشحها لانتخابات إحدى البلديات الكبرى، مؤكدةً أن الإعاقة الحقيقية ليست في الجسد، بل في غياب العدالة والمساواة. ومتعهّدةً بأن تكون صوت من لم يُسمع ووجه من غُيّب عن القرار، بهدف بناء مجتمع أكثر شمولاً وعدلاً.
ولم تقتصر هذه الظاهرة على فئة واحدة، بل فتحت المنصّات الرقمية الباب أمام أصوات من مختلف الأعمار والخلفيّات الاجتماعية والمهنية. فبرز مرشّحون شباب بخطابات تقدميّة، وآخرون من مجالات متنوعة، استثمروا هذه الأدوات للوصول إلى الناخبين مباشرة، متجاوزين القنوات التقليدية، ومحطّمين الحواجز التي كانت تعيق المشاركة الفعلية في القرار البلدي.
وإلى جانب الصفحات الشخصية للمرشحين، ظهرت صفحات خاصة باللوائح الانتخابية، تولّت تنظيم الحملات الدعائية بشكل أكثر مهنية، وعملت على نشر البرامج الانتخابية، وتقديم صورة موحّدة ومتماسكة للمرشحين ضمن كل لائحة.
فايسبوك في الصدارة
تجدر الإشارة أيضاً، إلى أنّ منصّة «فايسبوك» احتلّت موقع الصدارة بين المنصات المستخدمة، إذ أصبحت المنبر الأول للإعلان والترويج، نظراً، ربما، لانتشارها الكبير بين مختلف الفئات العمرية ما ساهم بتسهيل التفاعل عبرها.
لكن اللافت في الأمر هو الغياب شبه التام للحملات القاسية المضادة على مواقع التواصل، ما عدا بعض الاستثناءات البسيطة، فالطابع العائلي الذي يغلّف أغلب اللوائح جعل المنافسة تبدو أكثر لياقة، لذلك اختار معظم المرشحين التركيز على إبراز حسناتهم، بينما دارت الحملات المعاكسة بهدوء في الكواليس، بعيداً من الأضواء.
كل شيء يبدو واعداً على الشاشات اليوم، لكنّ التأثير الفعلي لهذه الحملات لن يتضح إلا مع بدء صدور النتائج اعتباراً من يوم الأحد، مع انطلاق الانتخابات البلدية والاختيارية على أربع مراحل تمتد بين الرابع والرابع والعشرين من أيار.