في مشهد ثقافي يزخر بالتحوّلات، تنطلق هذا المساء الدّورة التّاسعة والعشرون من "مهرجان السّينما الأوروبية في لبنان" التي تستمرّ حتى 11 أيار 2025، بتنظيم من "بعثة الاتّحاد الأوروبي في لبنان" وبالشراكة مع جمعيّة "متروبوليس سينما" وبالتعاون مع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. يكشف هذا الحدث السينمائي عن التزامٍ راسخ بجعل الفن السّابع وسيلة حيّة للتّبادل الثّقافي والحوار، لا سيّما في بلد مثل لبنان الذي طالما كان ملتقى للثّقافات، عسى بريقه يسطع من جديد.
لكونِه أقدم مهرجان سينمائي مُستمرّ في لبنان منذ انتهاء الحرب الأهليّة حتّى اليوم، يكتسب المهرجان هذه السنة طابعاً خاصّاً مع عودة عروضه إلى الموقع الجديد لـ "سينما متروبوليس" في مار مخايل، حيث يجد عُشّاق السّينما الأوروبيّة منصّة ساحرة للتلاقي، قبل وبعد العروض. وبعد غيابٍ السّنة الماضية بسبب ظروف العدوان الإسرائيليّ على لبنان، تُعزّز هذه العودة إحساس المُجتمع السّينمائي المحلّي بالاستمراريّة والانتماء، ويُتيح المهرجان فرصةً جديدةً لبناء جمهور أكثر تنوّعاً وشموليّة.
ومن بين أبرز فعاليّات الافتتاح، يلمع اسم فيلم الرسوم المتحرّكة اللاتفي "FLOW" للمخرج Gints Zilbalodis، الفائز بجائزة "أوسكار أفضل فيلم أنيمايشن" لعام 2025، والحائز على أكثر من خمسين جائزة عالمية. اختيار "FLOW" لافتتاح المهرجان ليس مَحض صدفة، بل إشارة واضحة إلى رهانه على السّينما الطّليعيّة التي تدمج بين الجماليّات البصريّة والرسائل العميقة، خصوصاً في مجال "الأنيمايشن" الذي يشهد نهضة عالمية.
برنامج غني
يُقدّم المهرجان مجموعة واسعة تشمل 21 فيلماً أوروبياً طويلاً حديثاً، مُعظمها حَظي بجوائز دوليّة، ما يوفّر للجمهور اللبناني نافذة على أحدث إنتاجات القارة الأوروبيّة. إضافةً إلى عروض سينمائيّة موسيقيّة حيّة (Ciné-Concert)، تُعيد الرُوح إلى بعض كلاسيكيّات السّينما الصّامتة من خلال مُرافقة موسيقيّة، بقيادة الثنائي Catherine Vincent، مما يُضفي طابعاً احتفالياً شاعرياً ومميّزاً على التجربة السينمائية.
ويبرز قسم الكلاسيكيات بعرض النّسخة المُرمّمة من الفيلم الإسباني الشهير "Jamón Jamón" بحضور الممثل Jordi Mollà، ما يتُيح للجمهور فرصة نادرة للتّفاعل مع نجم من نجوم الفيلم مُباشرة.
إضافةً الى مسابقة الأفلام القصيرة التي تحتفي بالمواهب اللبنانية النّاشئة من خلال مُشاركة 12 فيلماً قصيراً، مع تخصيص جائزتَين مُهمّتَين تتيحان للفائزين المُشاركة في مهرجانات سينمائيّة دوليّة بدعم من "معهد غوته" و "المعهد الفرنسي". كما لم تُغفَل فئة الأطفال والشباب عن برنامج المهرجان، حيث خُصِّصت لهم عروض أفلام "أنيمايشن" هادفة، تأكيداً على دَور السّينما في تعزيز الشّمولية الاجتماعية. وستوجّه دعوة لأطفال وشباب من الفئات الاجتماعية والاقتصادية الأكثر حرماناً للاستمتاع بهذه العروض.
تكريم الذاكرة اللبنانية
وفي خطوة رمزيّة بالغة الدّلالة، يُختتم المهرجان بعرض النّسخة المُرمَّمة من الفيلم اللبناني "أبو سليم رسول الغرام" للمخرج يوسف معلوف وبطولة الفنان المُخضرم صلاح تيزاني (أبو سليم)، بحضوره شخصيّاً. هذا العرض التكريمي، الذي يتم بالتعاون مع "نادي لكل الناس"، يُمثّل فعل وفاء لذاكرة الشّاشة اللبنانية وجسراً بين أجيال السّينما المحلية.
من روح المدينة إلى كل لبنان
يُذكر أنَّ مُلصق المهرجان صَمَّمته الفنانة ناتاشا سيمونيان بعد فوزها بمُسابقة إلكترونية مفتوحة، وجاء ليعكس المشهد البيروتي بألوانه المتداخلة: هرَّة مُتجوّلة، أسلاك كهربائية مُتشابكة، وعناصر معماريّة تمزج بين القديم والجديد. هذا الملصق لا يُعبّر فقط عن طابع المدينة، بل عن طبيعة المهرجان نفسه الذي يطمح لالتقاط نبض الحياة وسط التّناقضات. ولا يكتفي المهرجان بالتّفاعل مع جمهور العاصمة، بل يمتد إلى مناطق مثل صيدا، طرابلس، وجونية، عبر عروض مُتنقّلة تسعى لكسر مركزيّة المشهد الثّقافي وإيصال السّينما الأوروبية إلى جميع أطياف الشّعب اللبناني.
همزة وصل وأمل
يُعتبر هذا المهرجان أكثر من مُجرَّد عرض أفلام؛ إنه مشروع ثقافي طموح يعمل على تعزيز قيم التنوّع، الحوار والابتكار. اختيار الأفلام الحديثة والكلاسيكية معاً، مع الاحتفاء بالمواهب اللبنانية، يثبت أنّ المهرجان يعي دوره كهمزة وصل بين الماضي والحاضر والمستقبل. غير أنّ تحدّيات المرحلة لا تغيب: الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصّعبة في لبنان قد تحدّ من قدرة جمهور أوسع على المشاركة، رغم جهود المهرجان في جعل الفعاليات مُتاحة نسبيّاً، خصوصاً لناحية إبقاء سعر مقبول للتّذكرة (400,000 ل.ل.).
جذب الشّباب
في حوارٍ خاص مع مسؤولة الصّحافة والإعلام في "بعثة الاتّحاد الأوروبي إلى لبنان" السيّدة تاتيانا حصني ريشا، أشارت إلى أنَّ ميزة المهرجان الدّائمة والأساسيّة تكمن في العروض الأولى لأفلام استثنائيّة سينمائيّاً، والتي لن يتسنّى للمُشاهد اللّبناني بأن يراها في صالات السّينما التجاريّة. وأوضحت أنَّ المهرجان يسعى إلى الابتعاد عن الصّورة النّمطيّة "النّخبويّة" في طريقة ترويجه للأفلام، طارحاً أمام الجمهور الشّبابي إمكانيّة الاستكشاف، بسعرٍ مقبول، لأفلام تمزج بين العمق الفنّي والتّناول الجريء لقضايا مُعاصرة. وفي وقتٍ يُهيمن النّموذج الهوليوودي على الأسواق، يُقدّم المهرجان بديلاً فكريّاً وجماليّاً يتمتّع بخصوصيّة ثقافيّة وتاريخيّة.
وإذا كان التّرويج للسّينما الأوروبيّة في بيروت اليوم، مُجرَّد نشاط ثقافي أم أنه يحمل رسالة سياسيّة ناعمة، قالت ريشا إنَّه في ظل الأوضاع المُتوتّرة لبنانيّاً وعالميّاً، وفي زمن تسُوده التّبسيطات الاعلاميّة وسُرعة الاستهلاك، يبرز مهرجان السّينما الأوروبيّة كمساحة للمساءلة والتّفكير النّقدي. وشرحت أنَّ المهرجان أداة قوة ناعمة تُعيد تعريف ما يُمكن أن تكون عليه السّينما: فنّاً حيّاً ومساحةً للبحث عن المعنى والحقيقة والجمال، خاتمةً بأنّهم فخورون جدّاً باحتفالهم بالدّورة الثّلاثين العام المقبل، وفي ذلك شهادة على تعميق الفهم المُتبادل وتوسيع المدارك الثّقافيّة بين لبنان والدّول الأوروبيّة على مدى ثلاثة عقود!
السّينما ضرورة
يبقى إذاً "مهرجان السّينما الأوروبية في لبنان" حدثاً ثقافياً نوعياً، يجمع بين الحداثة والوفاء للتّراث، يؤكّد أنّ السّينما لا تزال قادرة على لعب دور الجسر الثقافي والملاذ الفنّي في أوقات الأزمات. غير أنّ نجاح المهرجان على مُستوى أوسع سيعتمد على مدى قدرته في السّنوات القادمة على مُعالجة بعض التحديات الاجتماعيّة والاقتصاديّة لتوسيع قاعدة جمهوره وتعزيز تأثيره خارج نطاق العاصمة. ونعود لنُنادي دائماً، بأنّ أيّ مهرجان سينمائي لا يعرض فقط أفلاماً، بل ينسُج شبكة من العلاقات الثقافية العابرة للحدود، مُعيداً تأكيد إيمان عميق بأن السّينما ليست مُجرَّد خيار، بل ضرورة، ولا سيمّا في زمن الأزمات.
