احتفل الرئيس الأميركي الـ47 دونالد ترامب في معقل صناعة السيارات ميشيغان الثلثاء الفائت بمرور 100 يوم على عودته التاريخية المظفرة إلى البيت الأبيض. لم يكن سهلاً على ترامب ترك المكتب البيضوي عندما كان الرئيس الـ 45 بعد هزيمته أمام غريمه الديمقراطي جو بايدن آنذاك، في خضمّ "الإعصار الوبائي" الذي أطاحه من "العرش"، فيما يصرّ ترامب حتى يومنا هذا أن الانتخابات سُرقت منه. كما لم تكن الطريق معبّدة أمامه في حملة عودته إلى البيت الأبيض، حيث واجه مشكلات قانونية حتّمت عليه الجلوس داخل قاعات المحاكم لفترات طويلة ونجا من محاولتي اغتيال ليظفر بالرئاسة مجدّداً بأكثرية شعبية صريحة. الأميركيون اختبروه من قبل، الرجل يَعِد ويفي بوعوده. هذه المرّة أيضاً وعدهم بتحسين الاقتصاد واجتثاث أيديولوجية الـ "ووك" وطرد المهاجرين غير الشرعيين وجعل أميركا عظيمة مرّة أخرى ووضع حدّ للحروب المندلعة حول العالم، فأعطوه تفويضاً لتنفيذ أجندته المحافظة الدسمة.
ترامب شخصية لا مثيل لها في تاريخ عالم السياسة في واشنطن. قدِم المطوّر العقاري من "كوكب" برنامج "ذي أبرنتيس" ليقتحم المشهد السياسي مستثمراً "نجمه" الساطع. تحدّث بلغة الطبقة الوسطى البيضاء وحاكى هواجسها وأحلامها ودغدغ مشاعرها، فنال ثقتها، رغم خلفيّته الديمقراطية. أعلنت كبرى وسائل الإعلام حرباً شعواء عليه، فلم يُقصّر بردّ الجميل سياسياً وقانونياً على "الكذابين". تبقى العلاقة التي تجمعه بالصحافيين والإعلاميين متباينة ومعقّدة. فالرئيس الجمهوري يعشق الأضواء والكاميرا تتلهّف من أجل رصده وتصويره. لا يتوانى ترامب في مهاجمة الإعلاميين وتأنيبهم، إلّا أنه لا يحتمل فراقهم. تراه يدعوهم بشكل شبه يومي إلى المكتب البيضوي، ويهرعون لملاقاته في حديقة البيت الأبيض متى خرج لرؤية الشمس، ومتى أراد الصعود إلى مروحيّته أو عندما يترجّل منها، كما يطلّ عليهم لمحادثتهم داخل طائرته الرئاسية.
إنّه حاضر دائماً أمام الكاميرا ليشرح وجهة نظره ومقارعة خصومه وبعث الرسائل وتوبيخ أصحاب الأسئلة السطحية والإشادة بفطنة المجاملين وإطلاق النكات. عندما سُئل أخيراً عمّن يودّ أن يُصبح الحبر الأعظم، أجاب مازحاً أنه يرغب بأن يكون هو البابا الجديد، "سيكون هذا خياري الأوّل" قال ترامب، قبل أن يُكمل حديثه بجدّية. يقود الرجل الجريء حملة تغييرات جذرية وواسعة وطنياً ودولياً. يُريد ترامب الطامح إلى "العظمة" و"الخلود السياسي"، إعادة رسم وجه أميركا والعالم بـ "ريشته" الخاصة. رجل الأعمال البراغماتي يبتغي إبرام صفقات "رابح - رابح"، طبعاً على أن تميل الدفة لمصلحة الولايات المتحدة أكثر من أي جهة أخرى. فهو في نهاية المطاف "رسول" الشعب الأميركي للعالم أجمع، لكنه مُرسل لترتيب الأوضاع واسترداد حقوق بلاده و"مهمّته المقدّسة" تتصدّرها مصالح أميركا أوّلاً.
وسّع ترامب حدود سلطته الرئاسية على حساب السلطات الأخرى على قدر إمكاناته، ليُدير البلاد بأوامر تنفيذية حطّمت بأعدادها أرقاماً قياسية. اصطدم مع القضاء، فأوقف الأخير لترامب أوامر اعتبرها تتناقض مع الدستور. المعركة ما زالت في بداياتها والرئيس يُناشد المحكمة العليا لنصرته بين الفينة والأخرى. مواجهته امتدّت إلى إدارات الجامعات العريقة، فلا تمويل فدرالي لها ما لم تلتزم بشروط إدارته التي تمثل دافعي الضرائب، ووصل بعض هذه الخلافات إلى قاعات المحاكم. لا مكان للمجرمين العابرين للحدود في شوارع المدن الأميركية، والأبواب غدت موصدة أمام كارهي الولايات المتحدة ومبغضيها في عهد ترامب. باشرت السلطات عمليات الترحيل، ولو أنها ما زالت خجولة بعض الشيء، وأحكمت إغلاق الحدود الجنوبية مع المكسيك، في وقت تتشدّد فيه بإعطاء تأشيرات الدخول للأجانب وتدرس فرض حظر سفر سيؤثر على مواطني عشرات الدول.
هذا ما كان يُطالب به الكثير من الأميركيين الذين سئموا من مشاهد تخريب الأملاك العامة والخاصة وتدميرها، وحرق علمهم الوطني واحتلال حرمات جامعاتهم والإساءة إلى بلادهم وشتمها على الملأ عند كلّ مناسبة غير سعيدة وغير وطنية، علماً أن كثيرين من هؤلاء الغوغائيين أميركيون. الاقتصاد كان أحد القضايا الأكثر أهمّية بالنسبة إلى الناخب الأميركي في انتخابات 2024. يعتبر البعض أن ترامب لم يفِ بوعده، أقلّه حتى الساعة، في حين يدعو الرئيس الجمهوري إلى الصبر. وعلى الرغم من انخفاض أسعار البيض والطاقة، إلّا أن الاقتصاد شهد انكماشاً في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، لكن ترامب سارع إلى "غسل يديه" من المسؤولية، رافضاً علاقة الأمر بالرسوم الجمركية. كلام ترامب صحيح، بيد أنه إذا استعرت الحروب التجارية ستثقل كاهل أصحاب الدخل المحدود. ينتظر الأميركيون من رئيسهم الإسراع بإبرام صفقات تجارية عادلة تنهي كابوس الاضطرابات في الأسواق الأميركية والعالمية.
"الكباش" مع الصين ليس مفاجئاً، ولن يكون مفاجئاً تفجّر الصراعات معها ولا حتى حصول انفراجة تبدو متوقعة. لكن ما يُثير مخاوف الخبراء، دخول الاقتصاد العالمي في ركود، إذا لم تهدأ الأحوال بين أكبر اقتصادين في العالم سريعاً. ترامب، الطامح لضمّ كندا وغرينلاند والسيطرة على قناة بنما وقطاع غزة وتشييد "القبّة الذهبية" للدفاع الجوّي، يعمل على أكثر من جبهة وملف، فهو يضغط على موسكو وكييف لإنهاء الحرب وكرّرت إدارته التلويح بسحب وساطتها ما لم تلمس إرادة حقيقية للتسوية من كلّ منهما. وتتحرّك واشنطن لتحقيق وقف جديد لإطلاق النار في غزة قبل زيارة ترامب المرتقبة إلى السعودية وقطر والإمارات من 13 إلى 16 أيار، التي يُخطّط لتكون مثمرة وتمهّد لتوسيع نادي دول "اتفاقات أبراهام".
تنخرط إدارة ترامب أيضاً في محادثات نووية أسبوعية مع طهران في سعيها إلى اتفاق نووي صارم يُطمئن الغرب وإسرائيل، ويُبعد شبح الضربة العسكرية على إيران. حتى أن الولايات المتحدة دخلت على خطّ الوساطة بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، وطالبت الهند وباكستان بالعمل للتوصّل إلى "حلّ مسؤول". كلّ هذه الملفات لا تزال عالقة ولم تصل بعد إلى خواتيمها. كوريا الشمالية كانت "الغائبة" الأبرز عن اهتمامات ترامب في أيامه المئة الأولى من ولايته الثانية، بيد أن إدارته تتهيّأ لاحتمال حصول محادثات مع نظام "رجل الصواريخ" كيم جونغ أون، كما كان يحلو لترامب وصفه، قبل أن يتقرّب منه و"يقعان في الحب" خلال ولايته الأولى، من دون قطف ثمار هذه المودّة الشخصية سياسياً.
كما خاطب ترامب الأميركيين والعالم خلال حفل توليته رئيساً، معلناً بداية "العصر الذهبي" لأميركا، عاد ليُردّد الكلام ذاته على مسامع حشد من مؤيّديه الأوفياء في مدينة وارن بولاية ميشيغان الثلثاء الماضي. أراد ترامب تحقيق إنجاز جليّ وهائل خلال أيامه المئة الأولى في البيت الأبيض. هذا الهدف لم يتحقّق، مع العلم أن التحدّيات الداخلية والخارجية التي يتعامل معها ستتفاقم وتتشعّب مستقبلاً. قد ينجح قائد "العالم الحرّ" بتحقيق السواد الأعظم من غاياته وقد تبوء كلّ جهوده بالفشل، لكنّ ترامب بشخصيّته وطموحاته ومشاريعه، وسياساته كرئيس لأميركا، يُعيد "هندسة" العلاقات الدولية وصياغتها بشكل عميق، سيكتب عنها المؤرّخون لاحقاً بصيغة "ما قبل عصر ترامب وما بعده".