احتفل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمرور 100 يوم على بداية ولايته الثانية الأسبوع الفائت، مستعرضاً أبرز إنجازات إدارته خلال تلك الفترة القصيرة التي اتسمت بتغييرات سياسية واقتصادية بنيوية في الداخل الأميركي وعلى الساحة الدولية، إنما يبقى تعهّده بإنهاء الغزو الروسي لأوكرانيا وإرساء سلام دائم بين البلدين، بعيد المنال، إذ فشلت الجهود الدبلوماسية الجبّارة التي بذلتها إدارة ترامب في هذا الإطار بتحقيق النتيجة المرجوّة حتى اليوم، ما دفعها أخيراً إلى التلويح بسحب الوساطة التي تلعبها بين الرئيسَين الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والروسي فلاديمير بوتين، ما لم يقدّم الأخيران اقتراحات ملموسة لإنهاء القتال، خصوصاً بوتين الذي لا يبدو أنه يرى مصلحة في وقف الحرب قريباً.
عندما بدأ ترامب الوساطة، أعربت أوكرانيا ودول الاتحاد الأوروبي عن قلقها من الضغط الشديد الذي مارسه على كييف، معتبرة أنه اعتمد نهجاً ليّناً مع موسكو، خصوصاً إثر الاجتماع الكارثي الشهير الذي جمعه بزيلينسكي في المكتب البيضوي. ولكن، استطاع زيلينسكي أن يصحّح مسار المفاوضات لمصلحة بلاده، إذ فضلاً عن موافقته ودعمه من دون شروط مسبقة للمقترحات الأميركية لوقف النار الموَقت، ما عكس نيّته في إنهاء الحرب مقابل تعنت بوتين وربطه وقف القتال بشروط تعجيزية، وقّعت واشنطن وكييف أخيراً إثر اجتماع ترامب وزيلينسكي داخل كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان على هامش جنازة البابا فرانسيس، على الاتفاق الاقتصادي الذي كان ترامب قد اشترط إبرامه مقابل استمرار دعم بلاده لأوكرانيا.
على الرغم من عدم تضمّن الاتفاق الضمانات الأمنية التي يطالب بها زيلينسكي، إلّا أنه ينصّ على «اصطفاف استراتيجي طويل الأمد» بين أميركا وأوكرانيا، كما يؤكد «دعم الولايات المتحدة لأمن أوكرانيا وازدهارها وإعادة إعمارها واندماجها في الأطر الاقتصادية العالمية». ويقضي الاتفاق بإنشاء صندوق استثمار مشترك لإعادة إعمار أوكرانيا، تساهم فيه الأخيرة بـ 50 في المئة من أرباح المشاريع الجديدة لاستغلال الموارد الطبيعية، مع إبقاء ملكية تلك الموارد والبنى التحتية المرتبطة بها لكييف، فيما ستعتبر المساعدات العسكرية الأميركية جزءاً من مساهمة واشنطن في الصندوق. بالإضافة إلى ذلك، جاء الاتفاق بشروط أفضل بالنسبة إلى كييف مقارنة بنسخ سابقة، إذ لا يفرض عليها ردّ المساعدات الأميركية التي تلقتها قبل توقيعه، حسب «مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية».
تخلق طبيعة الاتفاق القائمة على استثمارات في استغلال الموارد الطبيعية في أوكرانيا حافزاً قوياً لاستمرار الدعم الأميركي لأمن كييف، إذ تعتبر تلك المشاريع استثمارات طويلة الأمد تفترض وجود بيئة أمنية مستقرّة تسهّل تشجيع المموّلين على المشاركة فيها. بالفعل، صادقت الخارجية الأميركية بعيد توقيع الاتفاق على ترخيص مقترح لتصدير «50 مليون دولار أو أكثر» من المعدّات والخدمات الدفاعية إلى أوكرانيا، الأمر الذي سيُشكّل، بعد إقراره في الكونغرس، أوّل صفقة بيع معدّات عسكرية لكييف منذ تولية ترامب.
في المقابل، يبقى بوتين العقبة الأساسية أمام أي اتفاق يؤدّي إلى سلام دائم لأنه لا يزال يعتقد أنه يستطيع فرض رؤيته للسلام عسكرياً، وهي رؤية تفضي عملياً إلى استسلام أوكرانيا وتجريدها من القدرة على حماية سيادتها. رَفضَ الكرملين المقترح الأميركي لوقف النار لمدّة شهر، كما خرَق مراراً التزامه بعدم استهداف البنى التحتية للطاقة، وكثف هجمات بلاده الجوّية على المدن الأوكرانية الرئيسية، ما أسفر عن مقتل عدد كبير من المدنيين، في وقت يصرّ فيه على شروط تعجيزية لا تعكس الوقائع الميدانية. دفعت المراوغات الروسية ترامب إلى التشكيك علنياً في نية بوتين في إنهاء الحرب، في حين أنهى المسؤولون الأميركيون إعداد حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية على روسيا، تشمل تدابير تتعلّق بالقطاعَين المصرفي والطاقة، حسب وكالة «رويترز».
وبينما يُشكّل تشديد العقوبات الاقتصادية الأميركية على روسيا خطوة إيجابية، تشي التطوّرات الميدانية أن موسكو لن ترتدع سوى عبر تمكين كييف عسكرياً من المحافظة على الأراضي التي تسيطر عليها، ما سيقنع بوتين بوقف محاولته توسيع المساحة التي يحتلّها في أوكرانيا. حتى الآن، الجيش الروسي مستمرّ في توغله البطيء والمكلف جدّاً على صعيد العديد والعتاد في شرق البلاد، كما بدأ يكثف وتيرة هجماته على الجبهة مع نهاية فصل الشتاء. توازياً، ذكر «معهد دراسة الحرب» أن جهود موسكو لتوسيع قدرات التجنيد على المدى القصير والطويل، ومساعي إعادة هيكلة الجيش المستمرّة، وإعطاء الأولوية للاستثمار طويل الأمد في القطاع الصناعي المحلّي، على الرغم من الكلفة الكبيرة لاقتصاد الحرب على الروس، تشير إلى أن بوتين متمسّك بطموحاته التوسّعية في أوكرانيا، بل إنه يستعدّ فعلياً لحرب استنزاف طويلة.
من الصعب إرساء سلام طالما يعتقد أحد الأطراف المتحاربة أن من مصلحته استمرار القتال. يُعوّل بوتين على أن تؤدّي مكاسب جيشه الميدانية والتناقضات في المعسكر الغربي ورغبة ترامب في إنهاء الحرب في أوروبا للتركيز على احتواء الصين، إلى وقف المساعدات الغربية لأوكرانيا وجعل الغرب وكييف يقدّمون التنازلات التي يطلبها. لذا، يتعيّن على واشنطن وحلفائها تعزيز قدرة الجيش الأوكراني على الصمود وتحصين مواقعه بهدف تحطيم طموحات بوتين التوسّعية وجعله قابلاً للتفاوض على اتفاق يعكس الوقائع الميدانية ويسمح لأوكرانيا بامتلاك القدرة على الدفاع عن نفسها ضدّ أي محاولات غزو مستقبلية.