خالد أبو شقرا

التحدّيات تزداد صعوبة وسوء القرارات يُحوّل الأزمة الاقتصادية إلى بنيوية

2020 قد تكون أفضل مما ينتظرنا من أعوام

20 تشرين الأول 2020

02 : 01

المؤسسات التجارية تقفل واحدة تلو الأخرى
تقف مختلف القطاعات الاقتصادية على مفترق طرق الخيارات الحكومية. إستمراريتها لم تعد مرتبطة بمثابرتها وقدرتها على تحدي الصعاب، بل أصبحت رهن الطريق الذي تسلكه الطبقة السياسية. فإما تكتسب حافز البقاء وإما يكون مصيرها الزوال.





على بُعد أسابيع من انقضاء عام التحديات، يسَجّل للكثير من المؤسسات اللبنانية قدرتها على الصمود والنجاح بتحدي البقاء. قسم منها استطاع التأقلم مع المتغيرات، فيما أعلن القسم الآخر انسحابه نهائياً من الأسواق. في حين ما زالت أغلبية الشركات الصامدة تراهن على تغيير ما، قد يجنبها تجرع كأس الإقفال وتشريد آلاف العمال. إلا أنه في حال لم يأت التغيير المنشود، المرتبط بتنفيذ الاصلاحات واستقطاب التدفقات المالية بالعملة الاجنبية من صندوق النقد الدولي، فان "العام القادم سيكون عام الإنهيارات بالجملة، بعدما اقتصرت هذا العام على المفرق"، يقول نائب رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان نبيل فهد.

الإصلاح وإلا الإنهيار

تغييب الاصلاحات وإهمال الشروط الأولية لبسط الدولة سيطرتها على الاقتصاد، بدأ يضغط بشدة على الوضع النقدي والتجاري. فبحسب التقرير الصادر عن "المركزي" أخيراً، فإن قيمة الإعتمادات المستندية المفتوحة تراجعت خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري بنسبة 90 في المئة، محققة ما يقارب 500 مليون دولار مقابل أكثر من 5 مليارات دولار للفترة نفسها من العام الماضي. وبحسب فهد فإن "هذه النسبة المرتفعة للغاية لا تعكس بالضرورة واقع النشاط التجاري وحركة الاستيراد، بقدر ما تدل على ازدياد التعامل النقدي بين المستوردين والمصدرين من دون المرور بالمصارف من اجل فتح الاعتمادات وضمانها. حيث استبدل التجار خطاب الاعتماد بتسديد المبالغ للشركات مسبقاً". فالاعتمادات المستندية بما تمثل من كتاب تعهد صادر من البنك فاتح الاعتماد بناء على طلب المستورد، يتعهد فيه البنك بدفع مبلغ او تفويض بنك آخر بالدفع للمصدّر، جرى تخطيها بشكل كبير كما تظهر أرقام المركزي. وعليه فان نسبة "التراجع التجاري لجهة الاستيراد تحديداً انخفضت بنسبة تقدر بين 50 و60 في المئة، وليس 90 في المئة كما يفهم من الارقام"، يشير فهد.

إنخفاض الاعتمادات المستندية إن لم يدل بشكل واضح على تراجع الحركة التجارية، فهو يبقى خير معبرٍ عن تعمق الاقتصاد النقدي. ما يؤشر إلى عواقب وخيمة حلّها الوحيد يكون عادة بالتشجيع على التعامل الالكتروني. إلا ان "مشكلة الإجراءات التي حاول اتخاذها مصرف لبنان للحد من التعامل النقدي أتت شاملة بدلاً من ان تكون موجهة نحو القطاعات التي تسحب سيولة بكميات كبيرة"، من وجهة نظر فهد. أما إلزام المستهلكين على استعمال الوسائل الالكترونية بالدفع، فيجب ان يترافق، برأيه، "مع ايجاد وحدات صرافة خاصة داخل المصارف، تتيح للتجار تحويل ما في الحسابات من ليرة إلى دولار بحسب سعر الصرف في السوق الثانوية. وإلا فان إلزام المواطنين بالدفع عبر البطاقات أو الشيكات أو التحاويل، ومنع التجار من سحب الاموال نقداً من حساباتهم سيخلق أزمة مجاعة. لان التجار عندها سيعجزون بكل بساطة عن الاستيراد".

منذ عام بالتمام والكمال، بدأ المسار الإنحداري يتسارع بشكل كبير، حيث "تدهورت العملة وتأزم الوضع السياسي، وفاقمت إجراءات الحجر والاقفال بسبب تفشي كورونا الوضع سوءاً، ومن ثم اتى انفجار المرفأ ليكمل أضلع مثلث الانهيار"، تقول رئيسة المجلس اللبناني للسيدات القياديات مديحة رسلان. ورغم كل الصعاب الاقتصادية فان الازمة تحولت اليوم إلى سياسية، وهي تتطلب، بحسب رسلان، "تشكيل حكومة فعالة، والدخول سريعاً في برنامج مع صندوق النقد الدولي، لاضفاء جوّ من الثقة والاستقرار ينعكس ايجاباً على سعر الصرف وثقة المستثمرين بالبلد". وفي هذه الحالة فان البلد سيستعيد، برأيها، "عافيته بسرعة قياسية، خصوصاً ان قدرة الشفاء عند القطاع الخاص اللبناني مرتفعة، ولا تأخذ الكثير من الوقت في حال تهيئة الأجواء المناسبة". أما في حال الاكمال بالمنحى السلبي الذي نسير به فان "العام 2021 سيكون أسوأ من هذا العام على كل المستويات"، تقول رسلان. و"ستتعاظم حالات التعثر والاقفال".

الخلل البنيوي هو الأخطر

"طالما لا نستطيع التنبؤ بشهر واحد للأمام على مختلف الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والنقدية، فانه من المستحيل علينا الاستمرار بادارة الشركات وايصالها إلى بر الامان"، يقول رئيس جمعية تراخيص الامتياز يحيى قصعة. "فهناك الكثير من الشركات التي تعتزم مغادرة لبنان في نهاية هذا العام. الامر الذي يمثل خسارة على كل المستويات". فهذه الشركات العالمية تمثل استثمارات أجنبية مباشرة في الاقتصاد ومصدراً للعملة الصعبة أولاً. وثانياً تسدد ضرائبها بانتظام، وتوظف آلاف العمال وتقدم لهم الضمانات. والأهم انها "في حال خرجت من سوق ما لا تعود اليه بسهولة"، بحسب قصعة، "بل ان عودتها تتطلب تحقيق الاقتصاد مساراً طويلاً من الثبات والاستقرار كي تعيد حساباتها بدخوله مرة جديدة". هذا الواقع يفاقم الخسارة ويحولها من عددية إلى بنيوية، بحسب قصعة. "وعلى الرغم من تمنياتنا الكثيرة على الشركات اعادة التموضع وتصغير حجم أعمالها وتقليص فروعها قبل ان تأخذ القرار بالخروج نهائياً، فان المشكلة التي ستواجهها هذه المؤسسات عند إجراء حساباتها نهاية العام ستكون كارثية.


حيث يُفقد تعدد أسعار الصرف امكانية اجراء محاسبة بشكل دقيق ومفصل ويظهر أعمال الشركات مناقضة للواقع. فالخسارة أو الربح قد يتبدل باختلاف سعر الصرف المعتمد. هذا وتؤثر القرارت التي تُتخذ، ومنها على سبيل المثال قرار حبس السيولة بالليرة بشكل سلبي جداً على ثقة حاملي الامتيازات، وتثير خشيتهم من عدم قدرتهم على الالتزام بالعقود الموقعة مع المؤسسات الأم في الخارج، والتي على اساسها يتوجب عليهم تحويل مبالغ نقدية بشكل دوري. فـ"المعارك الخفية بين المركزي والمصارف تؤثر سلباً على كل مفاصل العمل التجاري خصوصاً انها تأخذ مساراً شمولياً لا يُستثنى احد منها"، يقول قصعة. وبحسب أرقام جمعية تراخيص الامتياز فان قطاع الملابس والأزياء تراجع في العام الحالي بنسبة 44 في المئة عن نهاية العام 2019 والذي سجل بدوره تراجعاً بنسبة 56 في المئة عن العام 2012. وبالتالي فان هذا القطاع خسر في 8 سنوات 84 في المئة من حجم سوقه في لبنان. أما قطاع السلع الفاخرة فخسر بدوره منذ بداية العام الحالي 76 في المئة من حجم اعماله المحققة في العام الماضي، وبلغت خسائره الاجمالية بالمقارنة مع العام 2012 حوالى 90 في المئة.

حبل مختلف القطاعات معلق على جرار الأزمة. وان لم يتأمن مناخ آمن للأعمال فان المؤسسات ستنسحب واحدة تلو الاخرى ولن يبقى في البلد إلا الاقتصاد الاسود.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.