إنه ربيع ليس كغيره من المواسم. إنه زمن "الشفلقة"، المرشحون إلى الانتخابات البلديّة كلّهم يَعدِون "بالكومبينيزون"، لا يحدّدون لونها، سوداء، حمراء، بيضاء أو بلون الزّهر. المهمّ "إغراء الشفافية"، يا الله على الشفافية ما أحلاها! مغرية إلى حدّ لن يستطيع ناخبٌ مقاومةَ سحرها الفتّان. وهكذا بين عَلَم مغبرّ وملصق مائل قليلاً على صندوق كهربائي، تستعدّ الديمقراطية البلديّة اللبنانيّة لإعلان "كومبينيزوناتها". يا لها من أجواء حامية، نصفها يشبه مهرجاناً قروياً، ونصفها الآخر حصاراً لقلعة.
في الأزقّة التي كانت يوماً صامتة، تتردّد كلمات مثل "الكومبينيزون". عفواً... "الشفافية"، و "نحن"، "الوفاء"، "النزاهة"، و"الريّس العظيم"، على الجدران بكثافة. أتراها وُعودٌ انتخابية أم تعاويذ سحريّة؟ كلّ مرشح، يحيط به أنصاره، يرفع شعارات منتفخة كأنها بالونات في حفل عيد ميلاد طفلة بريئة: "من أجل بيئة نظيفة"، "شبابنا مستقبلنا"، "بناء البلدة الحديثة"، "معاً نحو الازدهار الثقافي"... ليس من شعار ناقص. لو علمت "الأمم المتحدة"، لأرسلت مراقبين لتسجيل الدروس.
السؤدد والكرسي البلاستيكي
يبدو أنّ جميع المرشحين قرأوا الدليل ذاته، وربّما عنوانه: "كيف تُنقذ بلدة بلافتتَين، ووعد غامض، ومكبّر صوت مكسور". وللتنويع، لا يتردد بعضهم في اختراع كلمات من العدم، مثل: "السؤدد". أتراه "بيك" مجهول، ناجٍ من قاموس عثماني؟
لكنّ ذروة العرض هي انتظار النتائج، كلّ منزل يتحوّل إلى مركز قيادة، وكلّ تطبيق "واتساب" إلى غرفة عمليات، وكلّ كرسي بلاستيكي إلى عرش للقلق. المقاهي تصير أماكن للتبصير: فنجان "إسبريسو"، سيجارتا "مارلبورو"، ونبوءة عن مصير لائحة انتخابية.
يُهمس في أحد الأحياء أنّ "نحن" تفوقت على "معاً"، وأنّ "الرئيس العظيم" انقلبت موازينه وظهر "بالكومبينيزون" أمام "مؤسسات"، وحتى أنّ لائحة "شباب التغيير والبيئة المستدامة" اخترقت المشهد بفضل عمّ نافذ وفيديو على "تيك توك" شوهد 113 مرة. يبدو أنه فعل "الكومبينيزون".
وفي بعدٍ موازٍ، يجلس بعض المحظوظين - الفائزين بالتزكية - يحتسون القهوة التركية في هدوء. لا ملصقات، لا منشورات، لا خطابات على ضوء مولّد كهربائي، مجرّد توقيع عند كاتب عدل، وابتسامة خفيفة، وانتصار يصل إلى البيت كأنه بيتزا.
حرب الملصقات
حين تبلغ الحملة ذروتها، أي حين تتحوّل الأسهم النارية في وضح النهار إلى مضخّمات انتخابية، تبدو المدينة وكأنها دخلت في كرنفال استراتيجي. من ترف "البيلبورد" إلى تواضع أعمدة الكهرباء، تتراكم الملصقات كطبقات من كعكة مفرطة الحلاوة، كل وجه من وجوه المرشّحين يحدّق بالناس مباشرة، أحياناً مشوّشاً، أحياناً واضحاً أكثر من اللازم، وغالباً معدًلاً "بالفوتوشوب"، حتى اختفى أثر الإنسانية وفوقها "الكومبينيزون". أحدهم يقف بجانب شجرة، آخر يحمل كتاباً، وثالث يحمل رضيعاً لم يُستأذن على ما يبدو.
في الأحوال كلّها تحت تلك الابتسامات المتجمّدة، تدور المعارك الحقيقية في صالونات البيوت. فالإنتخابات البلديّة اللبنانيّة، في الجوهر، ليست سباقاً للأفكار، بل "ماراثون" قرابة. الاستراتيجية؟ ضخ العاطفة حيث تنقص الرؤية، واستبدال البرنامج السياسي بسجلّ النسب: "ابن عمو لجوز خالتك صاحب أبو سمير، يعني مضمون".
تُسمع شعارات كلّها من محل "النوفوتيه":
"ما حدا خدم الضيعة قدّنا، وإنتو بتعرفو".
"الوفا هوّي الأساس، نحنا مش متل غيرنا".
"صار الوقت نبني مستوصف بيشبهنا".
وماذا يعني مستوصف "يشبهنا"؟ الله أعلم.
أما وسائل التواصل الاجتماعي، فلها نغمتها الخاصة. على "فيسبوك"، تنتشر فيديوات بجودة رديئة لمرشّحين يشرحون "الاقتصاد الدائري". بين انقطاعَيْ كهرباء، على "إنستغرام"، يتجرّأ البعض على تصوير أنفسهم وهم يلتقطون كيس "شيبس" عن الأرض، وتحت المنشورات جيش من رموز اللهب والإعجابات، وبعض تعليقات من وزن: "الله يوفّقك يا أسد الضيعة".
الكبّة النيّة
في إحدى الأمسيات الهادئة ظاهرياً، المليئة بتوترات صامتة، تُقام ولائم انتخابية يُقال إنها "جلسات حوار"، لكنّها في الحقيقة أقرب إلى فخّ للعدسات وشبكات التواصل. الطاولة مزيّنة بطبق كبير من الكبّة النيّة، وبعض الكاسات غير المتطابقة، ووجوه تجلس من دون أن تريح ظهورها على الكراسي، كأنّ التصوير قد يبدأ في أي لحظة.
المرشّح يجلس في المنتصف، مبتسماً بلا انقطاع، كمن يعلم أنه لن يُسأل عن تفاصيل البرنامج، بل عن اسم جدّه، ومن أين يشرب القهوة عادةً. بجانبه، أحد المقرّبين يهمس له باسم كلّ من يدخل، لأنه "ما بصير تغلط باسم ابن خالة إم عبدو".
النقاش يدور حول "هموم الناس". تلك العبارة المطّاطة التي تُفتح بها كل جلسة وتُغلَق بها كل الوعود. مثلها مثل شفافيّة "الكوميبنيزون". يتكلّم المرشّح عن "تمكين الشباب" في بلدة لا تملك ملعب كرة قدم، ويَعِد بإنشاء مكتبة عامة في حيّ ما زال سكانه يكتبون على الفواتير. والجمهور يصغي ظاهرياً. البعض يطقطق حبّات البزر، البعض يراقب من الذي يُصافَح بحرارة ومن يُكتفى معه بهزّة رأس. والحقيقة أنّ التصويت هنا لا يُبنى على "الرؤية المستقبلية" بل على الحضور، الابتسامة، وربما سرعة الاستجابة لطلب "بطاقة توصية للجامعة".
وفي نهاية السهرة، تُرفع الصحون، تُنشر الصور، وتُرسل إلى غروبات "الواتساب" مرفقة بجملة خالدة "جلسة موفّقة مع أهلنا الكرام".
فنّ عدم التنفّس
ثم يأتي المساء المنتظر. ذلك المساء الذي تصبح فيه كلّ ثانية دقيقة، وكلّ شائعة نبأً عاجلاً، وكل صوت صرير كرسي نذيراً. العائلات تتابع فرز الأصوات كما تُتابع مباريات كأس العالم، لكن بعرق أكثر وأهداف أقل.
"عم بيقولو ربح بـ 12 صوت".
"لا لا، جوز خالتي قال خسر بـ 3، بس في إعادة".
"في ظرف مش مفهوم، بعتقد صوّتوه بالخطأ لشخص مش مرشّح أصلاً".
بعضهم ينتظر النتائج عبر الهاتف، السماعة ملتصقة بالأذن. آخرون يحدّثون صفحات "فيسبوك" الخاصة بالمخاتير بشكل هستيري. أما الأكثر هدوءاً، فيفضحهم توتّرهم وهم يلتهمون البزر حتى نفاد المخزون الوطني.
وفجأةً، يصدر الحكم. أحياناً عبر مكبّر صوت، وأحياناً كهمسة مقدّسة، ترتفع الصرخات، تلتحق الأبواق. تسير قافلة من السيارات المحتفلة ثلاث مرات حول البلدة بالمكبّر ذاته الذي كان يبثّ فيروز، وأصبح الآن يصرخ: "معاً نحو النهوض والتجديد!"، من دون أن يعرف أحد ما المقصود تحديداً.
وفي زقاق مجاور، يُسمع رجل يتنهّد: "نفس الوجوه، نفس الحكي". ويجيبه أحدهم هامساً: "بس السنة الشعار أطول".
إلى الانتخابات المقبلة
حين ينتهي كلّ شيء، حين تبدأ الملصقات بالتآكل من جرّاء حرارة الشمس، وتتحوّل الشعارات إلى ذكريات مشوّشة كصُور الحملات، تستعيد البلدة إيقاعها. الأرصفة لا تزال مائلة، الأسلاك لا تزال متدلّية، والمشاريع "الطموحة" تعود إلى سباتها. لكن في المقاهي، الحديث لم ينتهِ، يُعاد سرد المعركة. تُحلّل النتائج. يُسأل لماذا خسر فلان، وكيف فاز علّان رغم كل شيء. ويهمس الجميع، بزفرة واقعية مرّة حلوة: "كلّ الحق على بيت عمّو!".
في النهاية، الانتخابات البلدية في لبنان ليست مجرّد تمرين ديمقراطي، إنها لقاءات عشائرية، عروض تفاؤل مصنّعة، وتحيّة وطنية لكلمة "الشفافية"، تلك الكلمة التي لم تعد تعني شيئاً، لكنها تمنح الشعور بالأمان، والإغراء. وفوق كلّ ذلك، إنها درس عظيم في الصبر، صبر انتظار التغيير، كما انتظرت فيروز أو وردة "التران" في مسرحية "المحطّة"، انتظرته بالأمل، وبالطرافة، و "مهما تأخّر جايي" ومن يدري ربما قد يأتي القطار "بالكومبينيزون".