هشام بو ناصيف

لماذا لا تغيّر الوقائع أفكارنا؟

4 دقائق للقراءة

لا توحي نتائج الانتخابات البلديّة بالمناطق الشيعيّة بجبل لبنان بأنّ ولاء الناخب الشيعي لـ "حزب اللّه" و"حركة أمل" اهتزّ بعد الحرب الأخيرة. كالعادة، سارع معارضو الثنائي للزعم أنّ نسبة الاقتراع المنخفضة تشي باحتجاج شعبي عليه. وكالعادة أيضاً، ردّ الثنائي بأنّ نسب الاقتراع طبيعيّة، وان انخفضت، فلثقة ناخبيه بحتميّة انتصاره. الأكيد هو هذا: الهزيمة العسكريّة المذلّة التي مني "الحزب" بها، ونتائجها على المكوّن الشيعي، لم تترجم تصويتاً عقابيّاً بالصناديق. أن يحافظ ناخبو الثنائي على ولائهم له بغضّ النظر عن الأثمان الفادحة لمغامرته الأخيرة، يعني أنّ آمال المعارضين الشيعة باقتراب لحظة انفكاك ناخبي الثنائي عنه أحلام يقظة رغبويّة. تطرح هذه المسألة سؤالاً هو بعمق الاستعصاء الديمقراطي، إن صحّ التعبير: كيف يمكن للديمقراطيّة أن تستقيم عندما يتخلّى الناخب عن حقّه بمعاقبة النخب الحاكمة متى أخطأت، علماً أنّ ممارسة هذا الحقّ هو شرط استقامة اللعبة الديمقراطيّة وعلّة وجودها؟


تتجاوز المسألة الطائفة الشيعيّة. المكوّن المسيحي بتراجع مستمرّ على كلّ الأصعدة منذ حرب الإلغاء، علماً أنّ قواه الحاليّة الأساسيّة الثلاث تورّطت بها. ومع ذلك، لا تزال الولاءات الحزبيّة المسيحيّة صلبة بما يكفي لضمان استمرار الزعامات المسيحيّة، وإن كانت أحجامها عرضة لشيء من مدّ وجزر بين استحقاق انتخابي وآخر. ربّ معترض هنا أنّ التيّار العوني تراجع بين المسيحيّين، وهذا صحيح. ولكن مجرّد بقاء هذا التيّار على قيد الحياة، ولو متراجعاً، يعني أنّ العلاقة غير صحيّة بين المسيحيّين ونخبهم تماماً كما هي غير صحيّة بالوسط الشيعي.


والحال أنّ هذه المسألة تتجاوز السياسة اللبنانيّة. فكّر بالولايات المتّحدة على سبيل المثال. مرّ أكثر من مئة يوم على وصول دونالد ترامب إلى السلطة على خلفيّة وعود بإعادة العصر الذهبي الأميركي. حتّى الساعة، نتائج أداء ترامب هي هذه: 1) اهتزاز بالبورصة الأميركيّة هو الأسوأ منذ أزمة العام 2008. 2) ارتفاع مستمرّ بالأسعار. 3) توتّر بعلاقة أميركا مع كلّ حلفائها، بمن فيهم الجار الكندي. 4) مواجهة خطرة مع بيجين، هي ضروريّة، ولكنّ الولايات المتّحدة تخوضها بمفردها، بدل أن تقود الغرب بأسره لتأديب النظام الصيني.


ليس هناك ما ترفع له القبّعة بكلّ ذلك. ولكنّ استطلاعات الرأي الأخيرة بالولايات المتّحدة، التي كشفت تراجعاً بشعبيّة ترامب، أظهرت أيضاً أنّ شرائح شعبيّة واسعة باقية على ولائها له.


لماذا لا تغيّر الوقائع أفكارنا؟ طرح الكاتب البريطاني جنان غانش هذا السؤال في "الفايننشال تايمز" الأسبوع الماضي. كتب غانش أنّ الانتماءات الحزبيّة حلّت مكان الانتماءات الدينيّة المتراجعة، بمعنى أنّ البشر، الذين يحتاجون أن يؤمنوا بشيء ما، باتوا يؤمنون بقادتهم، بعد أن اهتزّ الايمان بالآلهة والغيبيّات. حاجج غانش أنّ وسائل التواصل الاجتماعي تجعل المسألة أكثر تعقيداً بمعنى أنّنا كنّا قادرين سابقاً على تغيير رأينا دون أن نقرّ علناً أنّنا أخطأنا أمام كلّ من يتابعنا على فايسبوك، وتويتر. ولكنّ هذا بات مستحيلاً بعالم اليوم، ما يغرينا بالاستمرار بالدفاع عن الرأي نفسه، وهو أكثر راحة طبعاً من الإقرار العلني بالخطأ.


شاءت الصدف أنّني انتقلت لقراءة "الواشنطن بوست" فوراً بعد قراءة غانش، ووقعت على مقال فيها يشرح لماذا تستمرّ شرائح من المجتمع الروسي بتأييد حرب فلاديمير بوتين على أوكرانيا. جوهر المقال بسيط: تتابع هذه الشرائح وحسب وسائل إعلام النظام الروسي. تالياً، هي مقتنعة تماماً أنّ الغرب اعتدى على روسيا بأوكرانيا، وأنّ روسيا تدافع عن نفسها، وتشنّ حملة نبيلة لتنظيف أوكرانيا من النازيّين الجدد. لو صحّ كلّ ذلك، من يمكن له كروسي أن يكون ضدّ الحرب؟


يخيّل لي أنّ هذا يضيف سبباً، غير الأسباب التي فصّلها غانش، لفهم علاقة البشر بنخبهم: الوقائع لا تعني شيئاً بذاتها؛ المهمّ فهمها. وبمجرّد أن تتحكّم النخب بوسائل تفسير الوقائع، ثقافيّاً وإعلاميّاً، تتحكّم أيضاً بفهم الناس لها، وتالياً بأدائها السياسي. كماركسي، أخطأ المفكّر الإيطالي أنطونيو غرامشي بالكثير. ولكن ما كتبه عن الهيمنة الثقافيّة للنخب الحاكمة أصاب كبد الحقيقة.