أمل شموني

تداعياتها قد تُعيد تشكيل مشهد العلاقات الخارجية لأميركا

زيارة ترامب للخليج: تطلّعات اقتصادية وتحدّيات جيوسياسية

5 دقائق للقراءة
العلاقات السعودية - الأميركية استراتيجية ومتينة (رويترز)

واشنطن - مع استعداد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لزيارته المرتقبة للمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة هذا الأسبوع، تتجاوز تداعيات هذه الزيارة مجرّد المجاملات الدبلوماسية، إذ تأتي في لحظة محورية تثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل العلاقات الأميركية في منطقة تتميّز بإمكانيات اقتصادية هائلة وبتوترات جيوسياسية متشابكة.


تعزيز العلاقات الاقتصادية يتصدّر هذه الزيارة. فدول الخليج حريصة على "ترسيخ التزاماتها الاستثمارية تجاه الولايات المتحدة"، بحسب ما أشار الباحث في مجلس العلاقات الخارجية ستيفن كوك، لافتاً إلى أن "دول الخليج تمتلك موارد طبيعية وفيرة، وهي جزء لا يتجزأ من أسواق الطاقة العالمية". ويعكس هذا التوجّه النية الأوسع وراء زيارة ترامب، التي تُعتبر فرصة استراتيجية لتعميق التعاون الاقتصادي في ظل الديناميكيات السياسية المتغيّرة.


من هنا، فإن السياق الاقتصادي لهذه الزيارة يُعدّ بالغ الأهمية، إذ تُسلّط تعهدات الاستثمار الأخيرة من دول الخليج الضوء على التزامها بالسوق الأميركية. ويشير إعلان السعودية استثمار ضخم بقيمة 600 مليار دولار على مدى السنوات الأربع المقبلة، إلى جانب خطة الإمارات الطموحة للاستثمار بقيمة 1.4 تريليون دولار للعقد المقبل، إلى رغبة قوية في التعاون الاقتصادي. ويؤكد برايان كاتوليس من معهد الشرق الأوسط، هذا التحوّل، الذي يشير إلى "الاعتراف بهذه الدول كشركاء اقتصاديين أساسيين للمصالح الأميركية".


لاحظ كوك أن قادة منطقة الخليج يدركون تماماً تطلّعات ترامب، ويحرصون على مواءمة أنفسهم مع هذه التوقعات، مشيراً إلى أن "هذا التوافق الاستراتيجي يحميهم من ردود الفعل السلبية المحتملة لعدم مشاركتهم في المبادرات المتعلّقة بغزة". وقال: "هذا الترتيب يصبّ في مصلحتهم، فعندما يطلب منهم ترامب المساعدة في قضايا تتعلّق بغزة، ويشعرون بعدم الرغبة في اتخاذ أي إجراء، يجدون أنفسهم بمنأى عن الانتقادات التي ستُثار حتماً إذا ما ظلّوا مكتوفي الأيدي ولم يفعلوا شيئاً على الإطلاق".


ومع ذلك، تُهدّد بعض التوترات الضمنية الأخيرة المتعلّقة بالإجراءات الاقتصادية الأميركية بتعقيد هذه العلاقات. فقد أثارت أزمة الرسوم الجمركية الأخيرة التي فرضتها إدارة ترامب على الواردات من دول الخليج قلقاً في شأن استقرار العلاقات الأميركية - الخليجية. وبينما يُشدّد البيت الأبيض على أهمية تعزيز العلاقات مع دول هذه المنطقة، أشارت كارين يونغ من معهد الشرق الأوسط إلى أن السياق الجيوسياسي قد تغيّر بشكل كبير عن عام 2017، حيث "أصبح العديد من أهداف ترامب السياسية الطموحة - مثل إنهاء القتال في غزة، وكبح طموحات إيران النووية، وتشجيع تطبيع العلاقات السعودية مع إسرائيل - بعيد المنال حالياً"، الأمر الذي يُظهر التوازن الدقيق الذي يجب على الجانبَين التعامل معه لضمان الحفاظ على المصالح المشتركة.


في هذا الإطار، قدّم السفير دينيس روس، المسؤول الأميركي السابق والخبير في شؤون الشرق الأوسط، رؤىً حول احتمال تردّد السعودية في التعامل مع "اتفاقات أبراهام"، متوقعاً أن تُجرى أي حوارات في شأن هذه الاتفاقات بشكل سرّي، فيما سيجري التركيز العلني على أهمية المعاملات التجارية لترامب. ورجّح روس أن يُوظّف ترامب هذه الرحلة كعرضٍ حاسم لإنجازاته على الساحة العالمية لمصلحة الولايات المتحدة.


ويُفاقم الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، الذي لا يزال يُمثل قضية حساسة في المنطقة، هذه التعقيدات. وبينما يُعرب قادة الخليج بشكل متزايد عن قلقهم إزاء السياسات الأميركية تجاه إسرائيل، يُحذر الخبراء من أن ترامب يجب أن يُعالج هذه المسألة بحنكة دبلوماسية. فقد قال كاتوليس إن معالجة الجوانب الإنسانية للوضع في غزة ستكون "أمراً بالغ الأهمية"، لافتاً إلى أن التعامل مع مثل هذه المواضيع الحساسة خلال مناقشات ترامب "قد يؤثر بشدّة على صورة الولايات المتحدة في الخليج، ويؤثر على المعادلات الجيوسياسية الأوسع".


إلى جانب الشراكات الاقتصادية التقليدية، ثمّة آفاق واعدة للتعاون، ولا سيّما في مجال الطاقة النووية. تُمثل تطلّعات السعودية للحصول على مساعدة أميركية في تطوير برنامج نووي مدني فرصةً كبيرة، وإن كانت محفوفة بالتعقيدات والمخاطر المحتملة. وقد عبّر الخبراء عن قلق واسع النطاق في شأن شبح الانتشار النووي في المنطقة. وأعرب جون ألترمان، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، عن هذا القلق، لافتاً إلى أنه "قد لا تتحقق إنجازات كبيرة خلال هذه الزيارة". ألترمان توقع مبادرات صغيرة ترمز إلى اهتمام الولايات المتحدة بالتعاون مع دول الخليج في موازاة "انهماكها بإدارة التوترات الإقليمية".


في المقابل، يشير السفير دينيس روس إلى أن زيارة ترامب المرتقبة لدول الخليج قد تُعيد تعريف العلاقات الأميركية، مؤكداً أن سياسة ترامب "أميركا أوّلاً" تُولي أهمية كبيرة للنتائج الاقتصادية، وأشار إلى أن الاتفاقات المقبلة قد تصل قيمتها إلى تريليونات الدولارات. وقال: "ينصبّ التركيز في المقام الأوّل على المشاريع الاقتصادية الكبرى"، في إشارة إلى حجم التعاون المحتمل مع دول الخليج، مثل السعودية والإمارات. من هنا تأتي هذه الزيارة المرتقبة في مرحلة مفصلية ستُعزز شراكات اقتصادية حيوية، لكن يمكن لتداعياتها أن تُعيد تشكيل مشهد العلاقات الخارجية للولايات المتحدة بشكل كبير في منطقة تتسم بفرص واعدة وتحديات جسيمة.