شربل صفير

العيون مفتوحة... والضمائر مغلقة: هذا ما تفعله الحروب بأطفالنا

كل 30 دقيقة... يُسقط العالم طفلاً جديداً

4 دقائق للقراءة

ما الذي تبقّى من ضمير هذا العالم حين يُقتل طفل كل عشر دقائق، لا بسلاحه، بل بصمته؟ بأي شرعٍ إنساني أو قانونٍ دولي يُسمح بأن يُحاصر رضيع حتى الموت، وأن يُدفن حيّاً تحت ركام منزله، لأنّ قذيفة "ذكية" اختارت سريره؟ كيف للعالم أن يتفرّج على جثث الأطفال المتناثرة في شوارع غزة، على صراخ البرد في خيام سوريا، وعلى الطفولة المذبوحة في جنوب لبنان، دون أن يشعر بالخزي؟


لا جريمة أبشع من أن تتحوّل الطفولة إلى هدف عسكري. لا مبرّر، لا تفسير، لا منطق. في زمن تُستهدف المدارس وتُغتال الملاجئ، لم تعد الحروب تُميز بين جندي ومدني، ولا بين مقاوم ورضيع. الأطفال يُقتلون لأنهم تنفّسوا في المكان "الخطأ"، في لحظة "خطأ"، أمام صمت عالمي مدوٍ يُشبه التواطؤ.


غزة: مقبرة الطفولة المفتوحة

منذ السابع من أكتوبر 2023، تحوّلت غزة إلى أكثر الأماكن فتكاً بالأطفال على وجه الأرض. وفقاً لوزارة الصحة في غزة، قُتل ما لا يقلّ عن 17,400 طفل فلسطيني حتى أيار 2025، بمعدل طفل كل 30 دقيقة.


من بين الضحايا، هناك 710 رُضّع دون عامهم الأول، و 1,793 طفلاً بين عام و 3 أعوام، و 1,205 أطفال في سن ما قبل المدرسة، و 4,205 أطفال في المرحلة الابتدائية، و 3,442 في المرحلة الثانوية.


الصدمة لا تقف عند حدود القتل. بحسب اليونيسف، ما يزيد عن 600,000 طفل محرومون من التعليم بسبب تدمير 388 مدرسة بالكامل، وتضرر 75 % من البنية التحتية التعليمية. وفي مشهد يُجسّد الجوع كأداة حرب، توفي أكثر من 35 طفلاً جوعاً، ويواجه 3,500 آخرون خطر الموت بسبب الحصار ومنع دخول الغذاء والدواء.


طفل غزة لا ينجو حتى بعد النجاة، إذ تشير دراسات نفسية أولية إلى أن 9 من كل 10 أطفال في القطاع يُظهرون أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، من تبوّل لا إرادي وكوابيس متكررة، إلى فقدان النطق والتأتأة.


لبنان: الطفولة في مرمى النار

منذ اندلاع الاشتباكات بين "حزب اللّه" والجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، يدفع الأطفال ثمن صراع لا يفهمونه. بحسب وزارة الصحة اللبنانية، قُتل 231 طفلاً وأُصيب 1,330 آخرون، غالبيتهم في مناطق القرى الحدودية التي تتعرّض لقصف متواصل.


أكثر من 50 مدرسة توقفت عن التدريس، ونحو 40,000 طفل نزحوا داخلياً من بيوتهم إلى مناطق أكثر أماناً، وسط انهيار اقتصادي يُصعّب حتى توفير أبسط سبل الحياة.


التهجير المتكرّر، والعيش في مراكز إيواء موقتة، ترك آثاراً كارثية على الصحة النفسية للأطفال، حيث أفادت جمعيات محلية بأن هناك تصاعداً حاداً في مؤشرات الاكتئاب، والعزلة، والعدوانية بين الأطفال.


سوريا: الطفولة الضائعة

منذ اندلاع الحرب في سوريا عام 2011، لم يعرف أطفالها سوى الرعب والنزوح والموت. توثّق الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 30,228 طفلاً، من بينهم 199 قضوا تحت التعذيب، و 5,263 طفلاً لا يزالون رهن الاعتقال أو الاختفاء القسري.


هذه الأرقام المروّعة لا تشمل من قُتلوا بقنابل الغارات الروسية، ولا من ماتوا جوعاً في مخيّم الركبان، أو من تُركوا في مخيمات الشمال السوري دون تعليم، أو رعاية صحية، أو دفء.


التجنيد القسري للأطفال أيضاً بات ظاهرة، حيث تجنّد ميليشيات محلية وأجنبية آلاف الأطفال دون سن 15 عاماً، ليحملوا السلاح بدلاً من الأقلام.


مستقبل في مهبّ الموت

هؤلاء الأطفال ليسوا فقط ضحايا حرب، بل ضحايا تجاهل دولي صارخ، وتخاذل منظومات حقوق الإنسان، وصمت عربي مهين. ما يُرتكب اليوم في غزة، وسوريا، وجنوب لبنان، ليس فقط جريمة حرب، بل اغتيالاً منهجياً لمستقبل شعوب كاملة.


جيل بأكمله يُدفن حيّاً، لا لأنه ارتكب ذنباً، بل لأن العالم لم يعد يرى في الطفولة قيمة تستحق الحماية. وإذا استمرّ الصمت الدولي، فنحن لا نخسر فقط أطفالاً، بل نخسر إنسانيّتنا، قطعةً قطعة.