مُنذ عرضه العالمي الأوَّل في «مهرجان كان السّينمائي الدّولي» ضمن فئة «نظرة ما» العام الماضي، نال فيلم «Flow» استحساناً نقديّاً واسعاً. وفاز بأكثر من 50 جائزة عالميّة في أهم المحافل السّينمائيّة مثل «مهرجان أنيسي الدّولي لأفلام الرّسوم المتحركة»، وحصد «جائزة سيزار» لأفضل فيلم رسوم مُتحرّكة. وختامها كان مسكاً مع الجائزة الأشهر في العالم، حين حاز «جائزة الأوسكار لأفضل فيلم رسوم متحرّكة»، ليُصبح أول فيلم لاتفي يُحقّق هذا الإنجاز. كما أثبت الفيلم أيضاً نجاحه الجماهيري، حيث تجاوزت إيراداته 30 مليون دولار عالمياً.
البقاء في الطوفان
تدور أحداث «Flow» في عالم ما بعد الكارثة البيئيّة، حيث نجد هرّاً أسود ينجو من فيضان هائل ليبدأ رحلة عبر غابات مغمورة بالمياه، ثمّ ينضم لاحقاً إلى مجموعة من الحيوانات الأخرى على متن قارب صغير. خلال هذه الرّحلة، تواجه الحيوانات تحدّيات الطّبيعة وتُكوّن روابط تعاونيّة من دون أيّ تواصل لفظي، ما يعكس قدرة الكائنات على التكيّف والتعاون في مواجهة المِحَن. ويتميَّز الفيلم بسرده الصامت الذي يستند إلى الصّور والموسيقى فقط، بغياب أيّ حوار. لذا يُعدّ هذا الفيلم تجربة سينمائيّة فريدة، تستكشف موضوعات البقاء، التّعايش، والتغيّر المناخي، من خلال رحلة تأمليّة في مواجهة التحدّيات البيئية.
يصمت العالم فتنطق الرسوم
الجدير ذكره أنَّ الفيلم أُنتج باستخدام تطبيق «Blender»، وهو برنامج رسوميّات ثُلاثي الأبعاد، مجّاني، يُستخدم لصناعة أفلام الرّسوم المتحركة والمؤثّرات البصريّة. ما أتاح للمُخرج Gints Zilbalodis التحكُّم الكامل بالجوانب البصريّة. ويتميَّز الفيلم بتصميم بصري بسيط ومؤثّر، حيث تُستخدم الألوان والإضاءة لنقل المشاعر والتوتّرات. كما أنَّ التّحريك الدقيق لحركات الحيوانات يضفي واقعيّة على الشخصيّات، مع تجنب «الأنثروبومورفية»، ما يُعزّز من تأثير القصة. فالفيلم لا يعتمد على تجسيد الحيوانات بِصفاتٍ بشريّة كما في مُعظم أفلام التحريك الشّهيرة من ستديوهات «Disney» و»DreamWorks» وسواها، بل يُحافظ على سلوكيّاتها الطبيعيّة، ما يُضفي مصداقيّة على التّفاعلات بينها. هذا النهج يُبرز أهمية التعاون والصّداقة بين الكائنات الحيّة في مواجهة الكوارث الطبيعيّة، في مواقف أكثر إنسانيّة من البشر أنفسهم!
موسيقى تُلامس
ونظراً لغياب الحوار، تلعب الموسيقى دوراً محوريّاً في نقل المشاعر وتوجيه السّرد، حيث قام مؤلِّفها Rihards Zalupe بتقديم مزيج من الآلات الكلاسيكيّة والمؤثّرات الإلكترونية لخلق أجواء تُناسب كل مشهد. وما يلفت النظر هو الطّريقة التي تتغيَّر بها الموسيقى وفقاً لتطوّر علاقة الحيوانات على متن القارب. فبينما تسود النغمة القَلِقة في لحظات التوتّر أو عدم الانسجام، تتحول شيئاً فشيئاً إلى نغمةٍ أكثر دفئاً وانفتاحاً مع تطوّر روابط الثّقة بين الشّخصيّات. هذا الاستخدام الذكي للموسيقى يُظهر فهماً عميقاً من المخرج لأهميتها كأداةٍ تعبيريّة لا تقل شأناً عن الكلمة أو الحركة... بل هي شخصية قائمة بذاتها.
ورغم طابعها البسيط، تتميَّز موسيقى الفيلم بقدرتها على تأطير اللحظة من دون أن تطغى عليها. هي ليست موسيقى «إملائيّة» التي تُخبر المشاهد بما يجب أن يَشعُر به، بل تمنحه مساحة للتأمّل والاستقبال الحر. هذه المسافة الجماليّة الدقيقة تُعزّز من تجربة المشاهدة وتُدخل المتفرّج في حالة شبه روحيّة.
اللافت أيضاً أنّ الموسيقى في «FLOW» ترتبط عضوياً بالطّبيعة. فهي ليست مفروضة على المشهد، بل تنبع منه. ففي مشهد الفيضان، على سبيل المثال، ترتفع الموسيقى تدريجيّاً كأنها تنفجر من رحم الطّبيعة الغاضبة، بينما في لحظات الصفاء، تتماهى مع حفيف الأشجار وحركة المياه، ما يُضفي عليها طابعاً بيئياً عضوياً... وبهذا تجاوزت الموسيقى وظيفتها التقليديّة لتُصبح صلة وصل نقيّة بين الصورة والإحساس. إنها موسيقى لا تشرح، بل ترافق. لا تُبهر، بل تُلامس.
فلا تفوّتوا فرصة مُشاهدة فيلم «FLOW» مع عائلاتكم، حاليّاً في صالات السّينما اللّبنانيّة!