الياس دمّر

عبر نغمةٍ خارجةٍ عن السّرب

عبقرية الغموض في «A Complete Unknown»

3 دقائق للقراءة

«مُعقّدة الإلهام»، بهذه العبارة على الأقل، يمكن وصف علاقة Bob Dylan بالأدب والفن عموماً. فعندما أصبح أوّل مؤلّف أغاني يحصل على «جائزة نوبل في الأدب» عام 2016، لم يتكبَّد حتّى عناء استلامها! وبين من يعشق ديلان أو من يُحاول فهمه، يأتي فيلم سيرة ذاتيّة موسيقيّة جديد (ضمن موجة كثرت مؤخّراً) بعنوان «A Complete Unknown». يسلِّط هذا العمل السينمائي الضوء على السّنوات التكوينيّة للمغني الأميركي بوب ديلان.



تمرُّد

يعتمد الكاتب والمُخرج James Mangold على سرد غير تقليدي مُتجنّباً التّرتيب الزمني الصّارم، مفضّلاً الانتقال بين لحظات محوريّة في حياة ديلان خلال الفترة من 1961 حتى 1965، وهي التي شهدت تحوّله من مغنّي «فولك» تقليدي إلى شخصية ثوريّة مثيرة للجدل. ولا يحاول الفيلم شرح بوب ديلان، بل يعرضه كـ «مجهول تام»، وعنوان الفيلم نفسه مأخوذ من كلمات أغنيته الشهيرة «Like a Rolling Stone». أما الإخراج فيُبرز عمق التحوّل الداخلي والخارجي في شخصية المغنّي، من خلال تنقّله بين النّوادي الصغيرة في «Greenwich Village» وصولاً إلى اللحظة الفارقة في «مهرجان Newport» عام 1965، عندما «خان» جمهوره «الفولكيّ» بأدائه مع الغيتار الكهربائي. يُقدّم Mangold رؤية مشحونة عاطفيّاً، لكن متّزنة، تُعيد الحياة لفترة أميركيّة مُضطربة من دون الوقوع في التّمجيد أو الرومانسيّة الزائدة.



عندما يُصبح التّمثيل موسيقى

قدم النّجم Timothée Chalamet أداءً غاية في التّعقيد والتّوازن، متجنّباً تقليد ديلان حرفيّاً، وفضّل بناء شخصيّة قائمة على الجوهر أكثر من الشّكل. حيث التقط الطّبقات النّفسية لديلان - الحدّة، الذكاء، العزلة، والسّخرية الدفينة - ونجح في أداء الأغاني بنفسه، ما منح الشّخصية مصداقيّة فنيّة وصوتيّة نادرة في أفلام السّير الذاتيّة الموسيقيّة.


أمّا Monica Barbaro، فقد أدت دور Joan Baez بكثير من الحساسيّة، عارضةً العلاقة المُعقَّدة بين شخصيتَين لامعتَين في صعودهما، لكنّها لم تُمنح مساحة دراميّة كافيّة للتعمُّق. ويزيد الأداءات مِسكًا، المُخضرم Edward Norton، الذي يظهر في دور قصير لكن مؤثّر، مُجسِّداً صراع الأجيال بين الأصوليّة الموسيقيّة والتجريب الفنّي، كرمز لخيبة جيل يعتبر أنّ ديلان «خان» قضيَّتهم.



من هو الفنان؟ 

الفيلم لا يدّعي الحقيقة المُطلقة، بل يمزج بين الوقائع والتّفسير الشّخصي، كما لو كان يسير على خُطى بوب ديلان نفسه، الذي طالما لعب على حافة الواقع والأسطورة. ونرى ديلان يرفُض أن يكون «نبيّاً» ويُقاوم أي محاولة لوضعه في قوالب. فعلى الرُّغم من درايته بأنّ التحوّل الموسيقي سيظهر كخيانة رمزيّة لموسيقى «الفولك» التّقليديّة، الّا أنّه تجرّأ على التحرُّر الشخصي والفنّي، طارحاً سؤالاً وجوديّاً عن ثمن الحُرّية. هو ليس مجرّد سيرة ذاتية تقليديّة، بل دراسة سينمائية مُثيرة عن التحوّل الفكري، الفرديّة، وتمرُّد الفنان على توقّعات الجمهور!


«A Complete Unknown» من أهم أفلام السّيرة الموسيقيّة لهذا العقد. تشاهدونه على منصّة «+Disney».