تقترب بيروت من لحظة سياسية دقيقة ومصيرية يوم الأحد، 18 أيار، موعد الانتخابات البلدية في دائرتيها الأولى والثانية، في مشهد يعيد إلى الواجهة النقاش المزمن حول التوازن الطائفي والتمثيل العادل في العاصمة. لكن ما يثير القلق هذه المرة هو الغياب التام لأي التفاتة جدية من القوى السياسية إلى واقع مسيحيي بيروت الثانية، الذين يُعاملون كأقلية مهمّشة، رغم حضورهم التاريخي والثقافي العميق في المدينة.
فهؤلاء ليسوا طارئين أو عابرين، بل يشبهون في معاناتهم اليومية أبناء الأطراف المنسية من الوطن، من مسيحيي الشريط الحدودي إلى أولئك المتمسكين بوجودهم في بلدات كبر الياس. ومع كل ذلك، لا يزال هناك من يتمسك بالأمل؛ من شباب وشابات يرفضون الذوبان في غياب قسري، ويناضلون بصمت ليقولوا: "نحن باقون، ولن يُمحى وجودنا مهما تغيّرت موازين القوى".
ورغم هذا التهميش، لا تزال هناك إرادة حية لدى فئة من الشباب المسيحي في بيروت الثانية، شباب يحملون غيرة حقيقية على إرثهم وهويتهم، ويخوضون معركة إثبات وجود بأجسادهم، في محاولة للقول "إنّنا ما زلنا هنا، ولن يستطيع أحد إلغاءنا أو محونا من المعادلة، مهما اشتدت التحديات وتعاظمت الضغوط". وعلى الرغم من الأصوات المتزايدة المطالبة بفصل بيروت إلى دائرتين مستقلتين بيروت الأولى ذات الغالبية المسيحية، والثانية ذات الغالبية المسلمة لكل منهما بلديته الخاصة، يبقى الهمّ الأساسي لدى مسيحيي بيروت الثانية هو البقاء، لا التفرقة، والإثبات لا الانفصال.
منذ اللحظة الأولى لانطلاق الحديث عن الانتخابات البلدية، اتخذ الخطاب السياسي في بيروت منحىً طائفياً واضحاً، حيثُ بدا أنّ الطرفين، المسيحي والمسلم، يتجهان إلى "التشطيب" كتكتيك انتخابي، ما سيؤدي حتماً إلى خلل في التوازن التمثيلي، بحيث تُفرز بيروت الثانية بأغلبية سنية واضحة وأقلية مسيحية هامشية. هذا ما دفع بعض الأحزاب إلى طرح فكرة فصل بيروت الأولى عن الثانية بهدف الحفاظ على المناصفة والتوازن بين المكوّنات.
في هذا السياق، تبرز قضية مسيحيي بيروت الثانية، ومعظمهم من طائفة الروم الأرثوذكس، كقضية شديدة الحساسية والدلالة. فعلى الرغم من عددهم الكبير نسبياً، يشعر هؤلاء بأنّ حقوقهم السياسيّة والتمثيليّة مسلوبة، كما هي الحال في بيروت الأولى، إلا أن قضيتهم تُطرح على الهامش، وكأنهم تفصيل صغير في مشهد أكبر، رغم أن مساهماتهم في تاريخ بيروت الحديث لا تقل شأنًا عن سواهم.
وبحسب لوائح الشطب الرسمية، فإن بيروت الثانية تضم نحو أربعة آلاف ناخب يهودي، غالبيتهم العظمى لم تعد تقيم في لبنان بسبب التغيرات الديموغرافية والسياسية، ولا يصوّت منهم فعلياً سوى عدد ضئيل يُعدّ على أصابع اليد. أما المسيحيون المقيمون والناشطون انتخابياً فيبلغ عددهم نحو أربعة آلاف أيضاً، إلى جانب ما يقارب أربعة آلاف ناخب مسلم. هذا التوزيع لم يمنع هيمنة الصوت الإسلامي على نتائج الانتخابات الاختيارية. ففي عام 1998، تمت مضاعفة عدد المخاتير من ثلاثة إلى ستة بهدف تحقيق توازن طائفي، إلا أن المسيحيين لم ينجحوا في التنظيم والمشاركة الفاعلة، فكانت النتيجة فوز أربعة مخاتير سنة مقابل اثنين للمسيحيين.
وفي انتخابات 2016، تكرّر السيناريو ذاته، حيثُ فاز أربعة مخاتير سنة واثنان مسيحيان. لكن هذا التوازن النسبي اختل بعد وفاة أحد المخاتير المسيحيين، وهو ماروني. ونظراً لغياب نص قانوني صريح ينص على المناصفة في نظام المخاتير الذي يبقى عرفياً أكثر منه قانونياً تمّ تعيين أوّل الخاسرين من الطائفة السنية بدلاً عنه. حاول وزير الداخلية حينها، نهاد المشنوق، التدخل للحفاظ على المناصفة، إلاّ أنّ الاعتبارات السياسيّة والطائفيّة تغلبت، خصوصاً أنّ البديل كان من عائلة سنية بارزة. وهكذا انكسر التوازن، وأصبح التمثيل خمسة مخاتير سنة مقابل واحد مسيحي فقط. اعترض الموارنة وعبّروا عن استيائهم، لكن صوتهم لم يجد صدى، وكأن الوجود المسيحي في بيروت الثانية مجرد تفصيل لا يُحسب له حساب.
المشكلة لا تكمن فقط في تقصير الفريق السياسي الآخر، بل أيضاً في لامبالاة بعض المسيحيين أنفسهم، حيث أصبح الهم الانتخابي لدى بعضهم محصوراً بالمنافع والمقايضات، حتى وصل الأمر إلى بيع الصوت مقابل المال، ما يُفقد القضية صدقيتها وكرامتها.
وسط هذا المشهد، يبرز مرشّح مسيحي للانتخابات الاختيارية في بيروت الثانية، يحمل مشروعاً بسيطاً في الشكل، كبيراً في المضمون، حيثُ التأكيد على الحضور المسيحي الحقيقي في قلب العاصمة، لا من باب التحدي أو العناد، بل انطلاقاً من الحق والانتماء. ويدرك هذا المرشح تماماً خطورة المرحلة، ويخشى من أن تؤدي لعبة "التشطيب" إلى ضياع المقعد المسيحي، خصوصاً مع وجود مرشح مسيحي آخر قد يشتت الأصوات. لذلك، سعى إلى التفاهم مع بعض القوى السياسية، من بينها "الجماعة الإسلامية"، التي قدّمت له ضمانة بعدم التشطيب مقابل انسحاب المرشح الثاني، ما يضمن بقاء التوازن عند أربعة مخاتير سنة واثنين مسيحيين.
الرسالة التي يحملها هذا المرشح تتجاوز موقع المختار، فهي ليست معركة مقعد بل معركة وجود. فالغياب الكامل عن المشهد يؤدي إلى طمس الحضور، كما حدث في بر الياس في البقاع، حيث فقد المسيحيون موقعهم الاختياري بالكامل نتيجة الإحجام عن الترشح أو الاكتراث. لذلك، فإنّ ما يجري اليوم في بيروت الثانية ليس مجرد انتخابات بلدية أو اختيارية، بل معركة فعلية لإثبات الذات، وصون ما تبقى من هوية في مدينة كانت يوماً نموذجاً للعيش المشترك والتوازن، قبل أن تتحوّل إلى ساحة تجاذب طائفي تنهار فيها الحقوق بالتقادم والإهمال.