طوال أكثر من أربعة عقود، صُوّرت إيران من قِبل خصومها كدولة مارقة تلجأ إلى الاستفزازات واحتجاز الرهائن والتلويح بالنووي لجذب الانتباه الدولي. لكن هذا التصوير يُخفي منطقاً أكثر تنظيماً واستراتيجية، فقد طوّرت طهران نمطاً خاصاً من "الدبلوماسية القسريّة"، مستفيدة من سياسة حافة الهاوية المحسوبة، والتكتيكات غير التقليدية لتعويض ضعفها العسكري والاقتصادي. لذلك، ما يعتبره كثيرون ابتزازاً، هو في الواقع استراتيجية متماسكة تقوم على حسابات عقلانية، وضرورات جيوسياسية.
من الأمثلة اللافتة على ذلك ما حدث في نيسان 2024، حين حرّرت إيران أربعة رهائن غربيين مقابل الإفراج عن مليارات من أصولها المُجمّدة، وذلك بعد أشهر فقط من استئناف تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المئة وإطلاق قمر اصطناعي إلى المدار. أعادت هذه الخطوات طرح السؤال القديم لدى واشنطن والعواصم الأوروبية: هل تقترب طهران من صنع قنبلة نووية، أم أنها تُلوّح بالخطر كوسيلة ابتزاز لِتحقيق مكاسب؟
ما تُغفِله هذه الأسئلة هو أن تصرّفات إيران لم تكن يوماً وليدة اللحظة، إذ لطالما أتقنت الجمهورية الإسلامية فنّ التلاعب بالخصوم الأقوياء من خلال ضبط مستوى التصعيد وتحويل نقاط الضعف إلى أوراق ضغط. وفيما تردّ القوى الغربية بانفعال، تمضي طهران في لعبتها الطويلة الأمد، مستخدمةً الاستفزاز كأداة تفاوض، وغالباً ما يُشكّل التصعيد الخطوة الأولى. والمفارقة ليست في النهج الإيراني، بل في كون الحكومات الغربية لا تزال تتفاجأ به. فعلى الرغم من كون النظام الإيراني نظاماً ضعيفاً، غير أنه مُصمّم على اعتماد التهديدات المحسوبة لتقييد خصوم أقوى والتأثير على تقديراتهم.
بالتالي، كيّفت إيران مفهوم "الدبلوماسية القسريّة" عبر توظيف "الغموض الاستراتيجي والتصعيد التدريجي"، بهدف دفع العواصم الغربية إلى ردود فعل متسرّعة، مع الاحتفاظ بإمكانية الإنكار المعقول. والهدف ليس تحقيق نصر حاسم، بل انتزاع تنازلات من خلال الإنهاك عبر مزيج من الامتثال الانتقائي، والضغط، والمماطلة. وقد اتّسم النموذج التفاوضي الإيراني بخصائص مترابطة: التصعيد كأداة تفاوض، سواء عبر تخصيب اليورانيوم بما يتجاوز الحدود المُتّفق عليها، أو من خلال احتجاز الرهائن، أو الاستيلاء على ناقلات النفط. كما تجلّت مقاومة العقوبات في الهجمات على الشحن التجاري، والضربات بالوكالة، والعمليات السيبرانية التي تُربك الخصوم من دون إشعال حرب شاملة.
بناءً على ما سبق، ونظراً إلى استمرار حالة عدم الاستقرار الإقليمي وتآكل الثقة المتبادلة منذ انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2018، أعادت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب صياغة أهدافها التفاوضية مع إيران على نحو يُقرّ بأن الأداة الدبلوماسية يجب أن يُرافقها الإكراه وليس التسوية. وقد جاء ذلك في ظلّ سيناريوات متعدّدة للتصعيد، مع إدراك واضح بأن تغيير النظام ليس الهدف الرئيسي لترامب.
وفي هذا السياق، تبيّن أن الخيار الأكثر واقعية بالنسبة إلى واشنطن هو تجنّب نسخة جديدة من اتفاق 2015، والسعي إلى تفاهم محدود يستند إلى احتواء إيران من خلال ضمانات، لا التزامات قائمة على الثقة. تضاف إلى ذلك دبلوماسية مرتكزة على أدوات نفوذ واقعية، لا على أُطر عمل تفترض التنازلات مقابل حسن النوايا. وأخيراً، الاعتراف بأن طهران تستجيب للضغوط لا للحوافز فقط، ما دفع واشنطن إلى السعي وراء ما يمكن تسميته بـ "الاستقرار الصفقي" (Transactional Stability)، أي تقليص المخاطر النووية، وتخفيف حدّة النزاعات بالوكالة عبر أدوات ردع ذات صدقية، كتعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، يُرافقه نشر عدّة سيناريوات لهجوم محتمل على إيران في حال عدم امتثالها للشروط الأميركية، إلى جانب الاستمرار بفرض العقوبات التي تستهدف الشبكات الاقتصادية التابعة لـ "الحرس الثوري" الإيراني. بمعنى آخر، ليس الهدف إصلاح سلوك النظام الإيراني، بل احتواء قدرته الإكراهية، وإزالة حالة عدم اليقين الاستراتيجي في منطقة تُعدّ واحدة من أكثر ساحات التنافس الجيوسياسي اضطراباً.
باختصار، خطوط ترامب الحمر واضحة، وقد أكّدها مجدّداً خلال خطابه في الرياض، حيث شدّد على ضرورة تخلّي إيران عن طموحاتها النووية لتجنّب مواجهة عواقب وخيمة. وهو شرط ترفضه طهران بشكل قاطع. وبانتظار ردّها، تتصاعد المخاوف من أن تستغلّ هذا الفراغ الزمني لتعزيز قدراتها النووية، تمهيداً لجولة جديدة من الابتزاز التفاوضي، كما أثبتت التجارب السابقة.
لكن، وبغضّ النظر عن نتيجة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، حيث لم يحصل أي اختراق إلى الآن، وحتى في حال حصوله، من غير المُرجّح أن تُغيّر إدارة ترامب موقفها من "حزب الله"، الذي ما زال مُصنّفاً كمنظمة إرهابية مسؤولة عن الهجوم الأكثر دموية على القوات الأميركية قبل 11 أيلول. كما أن أنشطة "حزب الله" غير المشروعة في أميركا اللاتينية ما زالت تُعتبر تهديداً كبيراً للأمن القومي الأميركي. وعلى هذا النحو، فإن موقف واشنطن من "حزب الله" مدفوع باعتبارات استراتيجية وأمنية طويلة الأمد تتجاوز الملف النووي.