استقبلت الولايات المتحدة هذا الأسبوع عشرات اللاجئين من الأقلية العرقية البيضاء في جنوب أفريقيا التي يشكّل الأفريكانرز غالبية أفرادها، وذلك انسجاماً مع الأمر التنفيذي الذي وقعه الرئيس دونالد ترامب في شباط الفائت والذي يقضي بـ "إعادة توطين اللاجئين الأفريكانرز الفارين من التمييز العنصري الذي ترعاه الحكومة، بما في ذلك مصادرة الممتلكات على أساس عرقي"، بينما وصف ترامب ما يتعرّض له الأفريكانرز بـ "إبادة جماعية". أثارت قضية هؤلاء اللاجئين البيض استهجان اليسار الأميركي، متهمين ترامب بالتمييز العنصري كونه أوقف كافة برامج اللجوء الأخرى، في حين تسبّب التباين حول حقوق الأفريكانرز بين واشنطن وبريتوريا باستعار أزمة دبلوماسية بينهما.
يتحدّر الأفريكانرز بشكل عام من مهاجرين هولنديين وألمان بدأوا المجيء إلى جنوب أفريقيا في القرن السابع عشر، وقد سيطرت الأقلية البيضاء على الأكثرية السوداء في البلاد حتى سقوط نظام الفصل العنصري عام 1994 وتولي "المؤتمر الوطني الأفريقي"، الذي يشكّل السود عموده الفقري، السلطة منذ ذلك الحين حتى اليوم من دون انقطاع. بعد نهاية نظام الفصل العنصري، توقع الكثيرون أن تنتهي التوترات العرقية في البلاد، إنما لا تزال بريتوريا تحاول تحقيق "عدالة عرقية" عبر اعتماد سياسات وإقرار قوانين تميّز بشكل مباشر أو غير مباشر ضدّ الأفريكانرز، الأمر الذي ساهم بتعزيز الشرخ القائم أصلاً بين مكوّنات البلد.
أدّت السياسات العنصرية والتحريض والهجمات الوحشية التي تطال الأفريكانرز إلى انخفاض عددهم بشكل ملحوظ في جنوب أفريقيا، التي كان البيض يشكّلون حوالى خمس سكّانها في أوائل القرن العشرين، فيما باتوا اليوم يشكّلون 7 في المئة فقط من سكّانها البالغ عددهم حوالى 63 مليون نسمة. وتقدّر وكالة الإحصاءات الوطنية في البلاد أن نحو 612 ألف من البيض غادروا البلاد بين عامَي 1985 و2021. ولكن، على الرغم من كونهم أقلية، لا يزال المزارعون التجاريون البيض يملكون نحو نصف أراضي البلاد، وينتجون حوالى 90 في المئة من الأفوكادو والذرة وغيرها من المنتجات الزراعية في جنوب أفريقيا، حسب صحيفة "الوول ستريت جورنال".
بدل أن يعترف "المؤتمر الوطني الأفريقي"، الحاكم منذ ثلاثة عقود والذي لطالما أثقلت كاهله قضايا فساد، بفشل سياساته اليسارية في تحقيق الرخاء والاستقرار لكافة مكوّنات البلاد، خصوصاً السود، يحاول المؤتمر إيجاد "كبش محرقة"، لذا أقرّ في كانون الثاني الفائت قانوناً يسمح في بعض الحالات باستملاك الدولة أراضي من دون تعويض تحت ذريعة إعادة توزيع الأراضي بشكل متساو أكثر بين مكوّنات البلاد، الأمر الذي دفع ترامب إلى تبني قضية الأفريكانرز عبر أمره التنفيذي في شباط الفائت، إذ اعتبر أن هذا القانون موجّه ضدّ البيض ويهدف إلى "إبادتهم"، كما جمّد المساعدات الأميركية إلى جنوب أفريقيا ولوّح بمقاطعته قمة مجموعة الـ 20 المقرّر عقدها في جوهانسبرغ في تشرين الثاني المقبل، فيما جرى طرد السفير الجنوب أفريقي في أميركا في آذار الماضي.
لم يرق لليسار الأميركي، الذي يعيش حالاً من الإفلاس السياسي ويفتقر للقيادة والرؤية منذ خسارته المدوّية في انتخابات تشرين الثاني الفائت، استثناء ترامب الأفريكانرز من قراره بوقف برامج اللجوء. كما اتهمت شخصيات يسارية الإدارة بالعنصرية كونها اعتبرت، في معرض تبريرها لقبول طلبات لجوء الأفريكانرز دون غيرهم، أن اندماج الأفريكانرز في المجتمع الأميركي سيكون سهلاً.
وبينما رأى غلاة اليسار أن "سهولة الاندماج" التي تحدّثت عنها الإدارة تنمّ عن عنصرية، أوضح معلّقون يمينيون أن إمكانية دمج الأفريكانرز بسرعة ليست ناجمة عن كونهم بيضاً، بل لأنهم يتشاركون مع معظم الأميركيين اللغة والدين والثقافة والقيم. كما أشاروا إلى "نفاق" اليسار الذي لم يرف له جفن عندما استقبل الرئيس السابق جو بايدن ملايين المهاجرين غير الشرعيين من كافة أنحاء العالم، من ضمنهم مجرمون وإرهابيون وأعضاء عصابات، لكنه استهجن واعترض بسبب عشرات من الأفريكانرز الذين وصلوا البلاد عبر الأطر القانونية ملوّحين بالعلم الأميركي.
بلغ عدد طلبات اللجوء من الأفريكانرز إلى أميركا حوالى 70 ألف طلب حتى الآن. ولكن على الرغم من إشادة الأفريكانرز بقرار واشنطن تسهيل إعادة توطينهم، جزم الخبير في شؤون الأفريكانرز إيرنست رويتس بأن الكثير من الأفريكانرز لا يريدون مغادرة جنوب أفريقيا، بل يصرّون على التمسّك بأرضهم، موضحاً أنه على إدارة ترامب، بالإضافة إلى تسهيل إعادة توطين الراغبين في ذلك، أن تعمل على الضغط على بريتوريا كي توقف اضطهادها القانوني لـ الأفريكانرز، وحضها على اعتماد نظام سياسي لامركزي يحاكي تنوّع المجتمع الجنوب أفريقي ويضمن خصوصية الأقليات فيه.