تلوح في الأفق، ربما غير البعيد، ملامح اتفاق سلام ما، بين سوريا الجديدة وإسرائيل. ولا يبدو أن استعادة الجولان ستكون بالضرورة جزءاً من هذا الاتفاق. وهذا طبعاً خلافاً لما عهدناه في السابق حيث كان شعار "الأرض - التي يُعيدها الإسرائيليون - مقابل السلام" الذي يأخذونه من العرب.
في ذلك الزمن الماضي، رفض حافظ الأسد عرض اسحق رابين بإعادة الجولان مقابل السلام، لأن ذلك العرض، كما أشيع حينها، لا يتيح لـ "أبو باسل" أن يغسل قدميه في بحيرة طبرية كما اعتاد في شبابه، فقرّر الاستعاضة عن ذلك بغسل قدميه وأقدام ذريته بدماء السوريين. فالسلام مع إسرائيل كان يعني للأسد المؤسس فقدان ذريعة محاربتها والقضاء على عملائها، وهي الذريعة التي استخدمها نظامه حصراً وبشراسة لأغراض القمع الداخلي والتمدّد الإقليمي.
أمّا النظام الجديد في سوريا والذي لا يملك رفاهية "الصبر الاستراتيجي" الذي نعم به الأسد، فهو اليوم أمام خيارين مختلفين: الأوّل هو التخلّي رسمياً عن أرض لا يقوى، وربما لن يقوى، على استرجاعها، يقطن فيها ما يقارب ثلاثين ألف سوري في ظلّ احتلال لا يتمنّاه أحد طبعاً، لكنْ في ظروف معيشية لا نبالغ إن قلنا إن غالبية الشعب السوري تحلم بمثيلتها.
أما الخيار الثاني فهو ألّا تتمكن سوريا من رفع العقوبات والحصول على الدعم السياسي والمالي اللازم لإعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد بالسرعة المطلوبة. وبغياب هذا الدعم، ستضعف قدرة النظام على لجم جماعاته المنفلتة، فتقوى احتمالات غرق البلاد في عنف طائفي وإثني كشّر عن أنيابه واستعملها، وهو عنف تغذّيه، بدون شك، شدّة العوز وضيق الأفق المعيشي والقلق على المستقبل لدى ملايين السوريين من كلّ المكونات.
في ظلّ خيارات كهذه تبدو الحسابات الأخلاقية التي تعطي الأولوية للألم السوري واضحة. وكذلك الحسابات السياسية. فالنظام الجديد يستمدّ شرعيته الشعبية لدى الغالبية السنية، وبالتالي السورية، من تحريره لها من نير العبودية لآل الأسد ومن "أبارتايد" طائفي غير معلن - يستثني فقط النخب القريبة من النظام - كشف عن أقسى وجوهه بعد العام 2011.
وهذه الغالبية السنية، ورغم أنها تربّت على شعارات وشعائر تقديس الصراع مع العدو الصهيوني واستعادة الأرض، فإنها اليوم وبوعيها الطائفي الذي اكتسبته بعد سنين من القهر والألم، تبدو مستعدة لأن تلقي كل تلك الشعارات جانباً إذا كان البديل عن السلام، ولو بشروط إسرائيل، يعني احتمال العودة إلى جحيم ومهانة ما زالت ذكراهما تحفر في أجسادهم ونفوسهم. فلا شيء بالنسبة لهم يضاهي تفادي ذلك الاحتمال الفظيع.
لقد تبدّلت الأحوال كثيراً منذ أن رفض الأسد عرض رابين. إسرائيل تغيّرت. أما آل الأسد وحلفاؤهم فتركوا سوريا بقايا بلد بحاجة إلى الكثير من جمع الشمل، وهي غير قادرة على خوض مواجهات غير متكافئة من أجل غايات لا تتناسب مع المآسي التي تجلبها.
ويبدو أن النظام السوري الجديد يعي بشكل واضح هذه الخيارات ويعرف مصدر شرعيته ويدرك أن "الصبر الاستراتيجي" لا يعني إلا كارثة استراتيجية سيدفع الشعب السوري ثمنها غالياً.
اليوم، لم يعد شعار "الأرض مقابل السلام" يعني بالنسبة إلى سوريا أن تستعيد أرضها من إسرائيل وتمنحها السلام بالمقابل. بل صار يعني أن تتخلى سوريا عن تلك الأرض لإسرائيل مقابل السلام الذي تحتاجه سوريا اليوم أكثر من أي وقت، وبلا شك أكثر ممّا تحتاجه إسرائيل.