محمود ضحى

لماذا لا ينتخب البيروتي؟

قراءة في المجتمع البيروتي وتفككه السياسي

5 دقائق للقراءة

في كل استحقاق انتخابي، سواء بلدي أو نيابي، يتكرّر المشهد ذاته: عزوف واسع من أهالي بيروت عن المشاركة في التصويت، أرقام متدنية تتكررلا تتخطى العشرين في المئة. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا لا ينتخب البيروتي؟ ولماذا لا تحظى لوائح المرشحين في العاصمة بتصويت فعلي ووازن من أهلها؟


الجواب لا يكمن فقط في السياسة أو في تراجع العمل الحزبي، بل في البنية الاجتماعية والهوية المعقّدة لبيروت، وفي تفكك المدينة ككيان اجتماعي موحّد.



أولًا: بيروت... مدينة بلا هوية موحدة

من الخطأ التعامل مع بيروت ككتلة سكانية واحدة أو كـ"شارع سياسي" متجانس. فالعاصمة منقسمة طبقيًا، مناطقيًا، وحتى طائفيًا.


ابن رأس بيروت يختلف عن ابن طريق الجديدة، وهذا الأخير لا يشبه ابن المصيطبة أو البسطة. حتى ضمن العائلة الواحدة، قد نجد اختلافًا في السلوك السياسي تبعًا للمنطقة التي ينتمي إليها الفرد (آل عيتاني، وآل العيتاني). هذا التشظي الداخلي حوّل بيروت إلى فسيفساء اجتماعية متنازعة، لا تملك قدرة على إنتاج قرار سياسي موحّد أو توجّه انتخابي جامع.


الهوية البيروتية نفسها، التي كانت يومًا ما تعبّر عن انفتاح تجاري وثقافي وحضري، تآكلت تحت وطأة الحروب، الهجرة، والضغوط الاقتصادية. واليوم، نرى مدينة بلا "روح" سياسية موحّدة، بل تجمّع سكاني مفكك يتفاعل أكثر مع همومه اليومية منه مع قضاياه السياسية الكبرى.



ثانيًا: هجرة البيارتة وتآكل الصلة بالمدينة

ظاهرة النزوح الداخلي لأبناء بيروت، خاصة من الطبقة الوسطى والدنيا، أدّت إلى إفراغ تدريجي للعاصمة من أهلها الفعليين. الكثير من البيارتة انتقلوا للعيش في مناطق جبل لبنان والشوف مثل عرمون، بشامون، برجا، الدبية، وغيرها.


هؤلاء لا يشعرون أن لهم مصلحة مباشرة في انتخاب مجلس بلدي أو نيابي لبيروت. فالخدمات التي ستُقدّم لاحقًا لن تطالهم، والقرار الإنمائي لا يعنيهم فعليًا. وهكذا، تتعمق الفجوة بين الناخب البيروتي وواقع مدينته، ما يضعف الدافع للمشاركة.



ثالثًا: تهميش الأغلبية وسيطرة الأقلية

المجتمع البيروتي يعاني من اختلال كبير في التمثيل داخل مدينته. الغالبية الساحقة من السكان تنتمي إلى الطبقة الفقيرة أو إلى عائلات صغيرة العدد والتأثير، في حين تتحكم السياسة بأيدي قِلة من العائلات "الكبيرة" تاريخيًا، التي تمتلك النفوذ والمال والعلاقات.


في كثير من الأحيان، يُمنع على شباب بيروتي مستقل أو آتٍ من خلفية متواضعة أن يجد لنفسه مكانًا في المعادلة السياسية، ما لم ينل رضى تلك العائلات، أو يحصل على "بركة" من مرجعية تقليدية أو دينية. هذا الواقع ينتج شعورًا بالإقصاء، ويدفع الناس إلى العزوف لا من باب اللامبالاة، بل كنوع من الاحتجاج الصامت على نظام لا يمثلهم.



رابعًا: لا قضية جامعة... بل مصالح فردية

غياب المشروع السياسي الجامع يُعد من أخطر نقاط الضعف في السلوك الانتخابي البيروتي. لا توجد اليوم رؤية واحدة تُوحد الناس حول برنامج أو قيادة. بدلًا من ذلك، يتحرك كثيرون بدافع من مصالح شخصية محدودة: وعد بوظيفة، خدمات بلدية، وساطة هنا أو هناك.


في هذا السياق، تصبح الانتخابات مجرّد مناسبة لتصفية حسابات صغيرة أو لتحصيل مكاسب آنية، بدل أن تكون محطة لاختيار ممثلين يعبرون عن الطموح الجماعي للمدينة. هكذا، تفقد الديمقراطية معناها، ويتحول التصويت من فعل سياسي إلى صفقة هامشية، أو يمتنع الناس عنه تمامًا.



خامسًا: الامتناع كفعل انتقامي

المفارقة أن بعض البيارتة الذين تحسنت أوضاعهم الاقتصادية بعد عقود من التهميش، يختارون الامتناع عن التصويت لا تعبيرًا عن اللامبالاة، بل كنوع من الانتقام الطبقي من طبقة سياسية يعتبرونها مسؤولة عن تهميشهم لسنوات طويلة.


هذا السلوك يحمل أبعادًا نفسية عميقة: الامتناع عن التصويت يُستخدم كأداة لمعاقبة "النخبة" البيروتية، حتى لو كانت النتيجة خسارة تمثيلية لبيروت في البرلمان أو المجلس البلدي. إنه احتجاج صامت لكنه فعّال، يعبّر عن قطيعة بين الناس والمؤسسات.



سادساً: غياب الزعامة و"الكاريزما"

منذ تراجع تيار المستقبل وزعامة سعد الحريري، ترك فراغ كبير في القيادة السياسية السنية، خصوصًا في بيروت. لكن بدلاً من أن يملأ هذا الفراغ بمشروع بديل موحّد، شهدت الساحة البيروتية انفجارًا في التنافسات الشخصية والطموحات الفردية.


كل شخصية أرادت أن تكون "الوريث" الشرعي، ما أدى إلى تكاثر اللوائح الانتخابية وانقسام الأصوات، بدل توحيد الجهود. الأخطر من ذلك هو غياب الكاريزما السياسية. فبيروت اليوم تفتقر إلى شخصية جامعة، قادرة على التأثير، الحشد، والإقناع.



سابعاً: الأزمة الاقتصادية

منذ الأزمة الاقتصادية في لبنان غير المسبوقة في عام 2019 اضطر الكثير من الشباب البيروتي للهجرة وبالتالي أُفرغت العاصمة من قوتها الشبابية، ومن لم يحالفه حظ الخروج من البلاد تبدلت أولوياته ليكون همه الأساسي تأمين معيشته اليومية، على حساب التفكير بهموم الشأن العام البيروتي.