نوال برّو

اكتئاب تخفيه ابتسامة... إحذروا القاتل الصامت!

3 دقائق للقراءة

بعد كلّ ما شهدناه، لا شك أن لبنان أصبح بيئة خصبة للاكتئاب. فبين الأزمات الاقتصادية والسياسية، وندوب الحروب وغيرها، تتشكل ملامح واقع يدفع باللبنانيين نحو قاع السعادة.


تؤكد هذه المأساة معطيات "تقرير السعادة العالمي لعام 2025" حيث تذيل لبنان قائمة السعادة العالمية، محتلاً المرتبة 145 من أصل 147 دولة، ومتجاوزاً بالكاد أفغانستان وبنغلاديش، ما يعكس حجم المعاناة التي تفتح باب الحديث عن أهمية الصحة النفسية.


كما يشهد لبنان معدلات مرتفعة لحالات الانتحار، حيث يُسجَّل حالة واحدة كل يومين. وتقريباً هناك محاولة انتحار واحدة كل 6 ساعات.


الحزن، الغضب، وأفكار الموت كلها مؤشرات معروفة عن الاكتئاب. لكن ماذا لو لم تظهر أيّ من هذه العلامات؟ هنا يبرز ما يُعرف بـ"الاكتئاب المبتسم"، الذي تُعرّفه المعالجة النفسية تاليا مطر بشارة بأنه "حالة يعيش فيها الشخص تلك المشاعر، لكنه يخفيها خلف تصرفات طبيعية وابتسامة ظاهرية ومزاح". وتضيف أن هذا النوع من الاكتئاب "يُعد من أخطر أنواعه لأنه صامت، وقد لا يعترف الشخص حتى لنفسه بما يشعر به".


تكمن خطورة هذا النوع في أن المحيطين لا يلاحظون معاناة الشخص، فلا يتدخل أحد. وتشير مطر بشارة إلى أنه "في بعض الحالات، قد يقود ذلك إلى الانعزال أو حتى إلى التفكير بالانتحار".


وعند الحديث عن الفارق بين الحزن الطبيعي والاكتئاب المبتسم، تقول إنّ الحزن يأتي نتيجة ظرف معيّن ويخفّ مع الوقت، بينما يستمر الاكتئاب المبتسم لفترة أطول ويترافق مع تناقض بين ما يشعر به الشخص وما يظهره. وتوضح أنّ الاكتئاب المبتسم لا يفرّق بين فئة وأخرى، إذ يمكن أن يصيب أي شخص بغضّ النظر عن عمره أو وضعه الاجتماعي.


فالمراهقون معرّضون له بسبب ضغوط النجاح والخوف من نظرة المجتمع، والنساء، خصوصاً العاملات منهنّ، يواجهن ضغطاً مضاعفاً لتأدية أدوار متعددة من دون تقصير. أما الرجال، فكثيراً ما يُربَّون على كبت مشاعرهم وعدم الاعتراف بالضعف. وحتى المشاهير، رغم ما يبدون من حياة مثالية، يرزحون تحت ضغط دائم للظهور بمظهر السعادة بغض النظر عن ظروفهم.


ونظراً لأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا، فإنها تلعب دوراً كبيراً في تعزيز ظاهرة الاكتئاب المبتسم. وتوضح مطر بشارة أن المقارنة حاضرة دائماً على هذه المواقع، وعادة ما يظهر الجميع حالات الفرح، ما يزيد الشعور بالعجز والوحدة عند الشخص المكتئب".


ومع ذلك، هناك جانب إيجابي محتمل، فمن الممكن أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي "وسيلة للكشف عن الألم في حال كان الشخص ينشر تلميحات أو يشارك أفكاراً سوداوية مع العالم".


كيف يمكننا المساعدة؟

عندما نشك في أن شخصاً ما يعاني من اكتئاب خفي، من المهم فتح حوار صادق معه، من دون ضغط أو اتهام. يمكننا قول أشياء بسيطة مثل: "أشعر أنك متعب، وإذا أردت التحدث فأنا موجود". وتشدد على ضرورة الاستماع أكثر من الكلام، وتجنّب "الفلسفة" أو المحاضرات، لأن الأهم هو إشعاره بأن مشاعره مفهومة ووجوده مهم. كما تؤكد أن خضوع الشخص للعلاج النفسي هو خطوة أساسية، إذ تساعد الجلسات على فهم المشاعر والوصول إلى جذور المشكلة في مساحة آمنة خالية من الأحكام. وتُضيف أن في بعض الحالات، تكون الأدوية النفسية ضرورية، خاصة عند وجود خلل في مستويات السيروتونين. وهنا، إن الدمج بين العلاج النفسي والدوائي هو الأكثر فعالية.


الاكتئاب إذاً قد يختبئ خلف قناع السعادة. لذا يجب أن نكون حاضرين لمن حولنا، نُصغي بتعاطف، ونشجع على طلب المساعدة من مختصين. فبموقف بسيط، ربما ننقذ حياة.