مع انتهاء الجولة الأخيرة من الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان، يتّضح أنّ المشهد الانتخابي شهد تحوّلاً جذرياً، حيث لم تعد الحملات التقليديّة للإعلان عن المرشّحين تملك التأثير السابق. فالصُّور المعلّقة على أعمدة الكهرباء، واللافتات المتناثرة على أطراف الطرق، خفّ وهجها وتراجع تأثيرها، مقابل صعود لافت لمنصّات التواصل الاجتماعي التي احتلّت موقعاً مركزيّاً في المعركة الانتخابية. وتصدّر "فايسبوك" المشهد كمنصّة رئيسية بل محوريّة، إذ لم يعد مجرّد أداة ثانوية، بل أصبح الركيزة الأساسية التي وُجِّهت من خلالها رسائل الحملات، وتمّ عبرها حشد الجمهور وضبط وتيرة التفاعل والتواصل المباشر مع الناخبين.
لكن لِمَ اختار المرشّحون "فايسبوك" دون غيره؟ وما الذي يفسّر هذا الاعتماد المتزايد عليه، مقارنةً بمنصّات أخرى على غرار "تيك توك" أو "إنستغرام"، أو حتى سواها؟
يفصّل خبير التطوير التكنولوجي هشام الناطور خلفيّات الظاهرة الجديدة، ويوضح في حديثه إلى "نداء الوطن"، أنّ الإعلانات التقليدية في الحملات الانتخابية تراجعت بشكل ملحوظ. فبينما كانت بعض الصور واللافتات حاضرة في الشوارع، لم نرَ استئجار لوحات إعلانية ضخمة أو تغطية واجهات مبانٍ كاملة بصور المرشّحين كما في السابق. حتى الحملات الكبيرة التي تمتلك تمويلاً كبيراً، لم تعتمد على هذه الوسائل فحسب، بل دمجتها مع أدوات "السوشيال ميديا".
انخفاض الكلفة
يشير الناطور إلى أنّ التحوّل نحو المنصّات الرقمية في الاستحقاق الانتخابي الأخير، سجّل ارتفاعاً لافتاً بنسبة تصل إلى 75 % مقارنةً بالانتخابات السابقة، مدفوعاً بشكل أساسي بانخفاض الكلفة وسرعة الوصول إلى الجمهور المستهدَف. ويؤكّد في هذا السياق، أنّ منصّات "ميتا"، ولا سيّما "فايسبوك"، برزت كأداة محورية أتاحت للمرشّحين استهداف جمهور واسع بدقّة وفاعلية، مقابل ميزانيات محدودة، ما جعلها أكثر ملاءمة للأهداف الانتخابية، خصوصاً في البيئات ذات الإمكانات المحدودة. ولفت الناطور أيضاً، إلى أنّ عدداً كبيراً من المرشّحين لم يُبدِ استعداداً للاستثمار في خدمات تسويقيّة احترافية، رغم دورها المحوري في تحسين فرص الوصول والتأثير. وبحسب ما أفاد الخبير في التطوير التكنولوجي، توفّر منصّة "فايسبوك" إمكانيات إدارة الحملة الترويجيّة بشكل مباشر، حتى من قِبل أشخاص خبراتهم التقنيّة متواضعة، عبر محتوى بصري بسيط وقادر على تحفيز التفاعل، من دون الحاجة إلى إنتاج احترافي عالي التكلفة. في المقابل، تتطلّب الحملات عبر "إنستغرام" و "تيك توك" مستوى عالياً من جودة الإنتاج بما يتلاءم مع خوارزميات العرض، ما يفرض بالتالي متطلّبات تقنيّة وماليّة لا تتوفّر دائماً لدى المرشّحين، لا سيّما في البلدات الصغيرة.
أما "إنستغرام"، يضيف الناطور، فغالباً ما يُستخدم لأغراض ترفيهية أو لاستعراض الصورة الجمالية، فيما يفرض "تيك توك" نمطاً سريعاً ومقتضباً من المحتوى، لا ينسجم مع طبيعة الخطاب السياسي والانتخابي. بالمقارنة، يجد في "يوتيوب" و"غوغل"، أداتَين أكثر فاعلية في الحملات التجارية أو المهنيّة، لا السياسية، وتحديداً داخل لبنان، في ظلّ محدودية الفئات السياسية النشطة عليها.
الفئات العمرية والجغرافيا
يوضح الناطور أيضاً، أنّ الحملات الانتخابية اعتمدت بشكل كبير على "فايسبوك"، لأنه يضمّ الفئة العمرية الأكثر نشاطاً وتأثيراً بين الناخبين المحتملين، أيّ الأشخاص فوق سنّ الثلاثين، الذين يستخدمون المنصّة، وفقاً له، كمصدر رئيسي للأخبار العاجلة وللتواصل مع الجهات الرسمية مثل البلديّات، ما يجعلها وسيلة أساسية للوصول إلى هذه الشريحة الحيوية من الناخبين.
في المقابل، يرى أنّ المنصّات الأخرى، مثل "تيك توك"، تتركّز على جمهور أصغر سناً، في أوائل العشرينات، الذين يفضّلون المحتوى الترفيهي والترندات ولا يملكون نفس القدر من الانخراط السياسي.
ميزة إضافية تتمتّع بها منصة "فايسبوك"، بحسب الناطور، هي قدرتها على الاستهداف الجغرافي الدقيق، من المحافظة إلى القضاء وصولاً إلى البلدية نفسها، ما يجعلها الخيار الأمثل لحملات تهمّ جمهوراً محلياً ضيقاً، كحملات انتخاب المخاتير والبلديات، فيما يعتبر أنّ منصّات مثل "تيك توك" و "إنستغرام"، تركّز أكثر على الترويج الواسع والمحتوى الترفيهي أو التجاري، الذي لا يخدم بشكل فعّال أهداف الحملات الانتخابية المحليّة.
على أنّ الناطور لا ينكر إمكان اعتبار "إنستغرام" منصّة مكمّلة لـ "فايسبوك"، لا سيّما في المناطق التي تضمّ مرشّحين وناخبين من فئة الشباب، مع تشديده على أنها لا تُشكّل بديلاً فعّالاً له.
اعتبارات الأمن والبساطة
من جهة أخرى يرى الناطور أنّ الاعتبارات الأمنية والسياسية، لعبت دوراً أساسياً في توجيه خيارات الحملات الانتخابية، حيث فضّل بعض المرشّحين استخدام "فايسبوك" لتوفيره مستوى مقبولاً من الشفافية وإمكانيّة ضبط الهوية والمصدر، الأمر الذي يعزّز الثقة في مصداقية الرسائل المنشورة. أما "تيك توك"، وفقاً للنّاطور، فيواجه تحدّيات متزايدة على هذا الصعيد، وسط شبهات رقابيّة ومخاوف متكرّرة تتعلّق بحماية البيانات، الأمر الذي يتعارض مع طبيعة الحملات السياسية الجديّة والحسّاسة.
الكلفة بالأرقام
في الخلاصة، يعيد الناطور التذكير بأنّ الكلفة برزت كعامل حاسم نحو التحوّل الرقمي في الدعاية للانتخابات البلدية والاختيارية، كاشفاً عن حجم الإنفاق من خلال بيانات حصل عليها من تقرير صادر عن "فايسبوك"، أظهرت أنّ الإنفاق الإعلاني خلال الشهر الأخير الذي سبق الاستحقاق، بلغ ما بين 450 إلى 500 ألف دولار، خُصّصت لمواضيع تتعلّق مباشرة بالانتخابات والحملات البلدية، وصفحات تُعنى بالشأن البلدي والخدمات المحليّة.
بالتالي يرى الخبير هشام النّاطور أنّ لو استُثمر هذا المبلغ في الوسائل التقليدية مثل المطبوعات، اللوحات الإعلانية، والشاشات الكبيرة، لكانت الكلفة تجاوزت ملايين الدولارات، وهو ما يُفسّر التوجّه المتزايد نحو المنصّات الرقمية، وفقاً له، خصوصاً في ظل محدودية الموارد لدى العديد من المرشّحين على المستوى البلدي، مقارنة بالانتخابات النيابية التي غالباً ما تشهد تمويلاً أكبر، قد يكون خارجيّاً ما يتيح مجالاً أوسع للحملات الإعلانية.
في الختام، ومع دخول الحملات الانتخابية عصر الخوارزميات، لم يعد أمام البلديات والهيئات المحلية خيار سوى إعادة تعريف دورها بشكل جذري، وتبنّي أدوات تواصل رقمية متقدّمة تضمن تواصلاً مستمراً وفعالاً مع جمهورها، لا فقط أثناء الانتخابات، بل على مدار العام. صحيح أنّ المعركة الانتخابية انتهت، لكن قواعد اللعبة تغيّرت للأبد، ومن يتأخر في التكيّف مع هذا الواقع الرقمي الجديد، سيجد نفسه خارج المعادلة السياسية في استحقاقات المستقبل... فإلى اللقاء في حملات الانتخابات النيابيّة بعد أشهر.