محمد البابا

موسكو تحرق أوكرانيا بالنار والدخان… وتساوم على السلام بيدٍ ملطخة بالدم

5 دقائق للقراءة

في واحدة من أكثر الليالي دموية منذ بدء الحرب، أطلقت روسيا خلال يومي الجمعة والسبت (24 و25 أيار) أعنف موجة هجمات جوية ضد أوكرانيا، في ما يُعد تصعيدًا مروّعًا يكشف الوجه الحقيقي للكرملين، ويضع حدًا مؤقتًا لأي أوهام غربية حول وجود نوايا روسية جدية تجاه السلام. بين غارات مكثفة بطائرات مسيّرة وصواريخ كروز، ومحاولات توغل بري في الشرق والشمال، لم تترك موسكو مجالًا للشك: هذه ليست عملية محدودة أو ضغطًا تفاوضيًا، بل حرب توسعية هدفها سحق الإرادة الأوكرانية وتحدي الإرادة الدولية.


الهجمات بدأت مساء الجمعة، حينما أمطرت القوات الروسية سماء كييف بزهاء 250 مسيّرة انتحارية من طراز شاهد، تلاها 14 صاروخًا باليستيًا، في غارة استمرت لساعات وأدت إلى إصابة 15 شخصًا في العاصمة، بينهم طفلان. الحرائق اجتاحت ستة أحياء، فيما دوّى دوي الانفجارات في جميع أرجاء المدينة، واهتزت نوافذ الشقق في حي أوبولون من شدة القصف. لم تمضِ 24 ساعة حتى كررت روسيا الهجوم، لكن بحجمٍ أعظم: 266 مسيّرة هجومية و45 صاروخ كروز استهدفت 22 مقاطعة أوكرانية، بما في ذلك خاركيف وميكولايف وجيتومير، حيث قُتل 12 مدنيًا، بينهم ثلاثة أطفال، وأُصيب العشرات.


وزارة الدفاع الأوكرانية أعلنت أن دفاعاتها الجوية تمكّنت من إسقاط العدد الأكبر من المسيّرات والصواريخ، إلا أن حجم الهجوم وتعقيده يكشف عن نية واضحة لدى موسكو في إنهاك منظومة الدفاع الأوكراني واستنزاف قدراتها، في ما يشبه تجربة شاملة استعدادًا لمراحل أعنف. هذا الهجوم لا يُقرأ فقط من زاوية عسكرية بحتة، بل يتعداه إلى بعد سياسي واستراتيجي أكثر خطورة. فبينما تواصل أوكرانيا، رغم النزيف، مساعيها نحو السلام عبر الاجتماعات التقنية والتنسيق مع الشركاء الدوليين وتفعيل اتفاقات تبادل الأسرى، تحاول روسيا إغراق أوكرانيا في بحر من النار، مدعية أنها تبحث عن "منطقة أمنية" فيما هي تمضي قدمًا في بناء وقائع احتلال جديدة.


في مقاطعة سومي شمال البلاد، وسّعت روسيا من عملياتها البرية، وسعت إلى التقدم بعمق يصل إلى 15 كيلومترًا داخل الأراضي الأوكرانية، فيما يشبه إعلانًا صريحًا بإنشاء منطقة عازلة بالقوة العسكرية، وليس عبر التفاوض. بوتين، الذي كرر في 22 مايو أن بلاده ستنشئ هذه المنطقة لتأمين حدودها، لم يتورع عن استغلال صمت المجتمع الدولي ليصوغ عبر الدم خريطة جديدة على حساب سيادة أوكرانيا. هذا الطرح الوقح يأتي في وقت تتكثف فيه الجهود الغربية لدفع روسيا نحو طاولة المفاوضات. الولايات المتحدة قدمت في مارس مقترحًا لوقف إطلاق نار شامل، وافقت عليه كييف فورًا، إلا أن موسكو تجاهلت المبادرة بالكامل، لتعلن بصراحة أن قرار الحرب والسلام لا يُتخذ في قاعات المؤتمرات، بل في خنادق القوات الروسية.


تدّعي موسكو أنها تسعى للاستقرار، لكن واقع الأمر أن الكرملين يمارس سياسة "رشّ الرماد في العيون". عبر هذه الهجمات الكاسحة، يحاول بوتين إقناع واشنطن بأن الحرب لا يمكن إيقافها، وأن أي مفاوضات يجب أن تأخذ بالاعتبار مكاسب روسيا الميدانية. إنه نهج الخداع الاستراتيجي الذي لطالما استخدمه الكرملين، حيث تُطلق إشارات متناقضة: حديث عن الحوار من جهة، وقصف شامل من جهة أخرى. والحقيقة أن ما يجري ليس إلا محاولة لشراء الوقت، لفرض أمر واقع جديد، وتوسيع رقعة السيطرة قبل أي استحقاق سياسي مرتقب.


لكن هذا التكتيك بات مفضوحًا. فمنذ أسابيع، بدأت موسكو تحضر لتوسيع جبهاتها الشرقية عبر الدفع بوحدات إضافية من قوات النخبة، كما نقلت منظومات دفاع جوي إلى مقاطعة بيلغورود لتعزيز قدرتها على حماية "المناطق المكتسبة". التصعيد الأخير ليس إلا تتويجًا لهذه التحضيرات. وما يُثير السخرية أن يأتي كل هذا على وقع إعلان بوتين استعداده لـ"سلام دائم" بشرط اعتراف أوكرانيا بالخسارة. هذا ليس سلامًا، بل إذعانًا قسريًا لا يليق إلا بديكتاتور يريد أن يفرض روايته على التاريخ.


أوكرانيا، رغم الضربات، لا تزال تتمسك بخيار السلام. فقد أعلنت أنها تبذل كل ما في وسعها لجعل التسوية السلمية ممكنة، وتستعد للاجتماع التقني القادم مع ممثلي روسيا وتسعى إلى عقده في أقرب وقت ممكن. كما تعمل القيادة الأوكرانية على إجراء تبادل في إطار صيغة "1000 مقابل 1000"، التي تم الاتفاق عليها في إسطنبول. لا تريد أوكرانيا إطالة أمد الحرب، وهي مستعدة لاتخاذ أسرع الخطوات الممكنة لإنهائها، في وقتٍ تجري فيه كييف عملًا دبلوماسيًا مكثفًا مع الشركاء الأوروبيين لدعم عملية التفاوض وزيادة الضغط على المعتدي. وأحد العناصر المهمة لإجبار موسكو على الانخراط في الدبلوماسية هو التحركات النشطة لقوات الدفاع الأوكرانية على الجبهات.


في المقابل، يواصل الكرملين إطلاق تصريحات عدوانية تفضح نيّته الحقيقية. ففي 22 مايو، كرر الديكتاتور الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا تخطط لإنشاء "منطقة أمنية عازلة" على طول الحدود مع أوكرانيا، وهو ما يشكل برهانًا إضافيًا على أن موسكو لا تنوي إنهاء الحرب، بل تسعى لمواصلة عدوانها وتوسيع سيطرتها. بدا هذا التصريح ساخرًا على نحو مؤلم على خلفية الجهود الدولية الرامية لتعزيز مسار السلام، خاصة بعد تجاهل روسيا الصارخ لمبادرة الولايات المتحدة لوقف إطلاق نار شامل في مارس. الأمر لم يعد يحتمل التأويل: السبب الوحيد لاستمرار الحرب هو بوتين نفسه، الحاكم المنعزل عن الواقع، الذي يريد أن تبقى الحرب دائرة، ولو على جثث آلاف الأبرياء.


الهجوم الروسي الأخير هو أكثر من مجرد قصف: إنه إعلان ضمني بأن موسكو لا تزال متمسكة بنهج السيطرة بالقوة، وأن بوتين لا يرى في الحوار إلا وسيلة مؤقتة لانتزاع تنازلات، لا سبيلًا حقيقيًا نحو الاستقرار. وإذا لم يكن هذا هو وقت الحسم الغربي، فمتى؟