بات واضحاً أن هناك مخطّطاً لـ "شيطنة" محافظة السويداء وممثّليها في خطوة تهدف إلى تهيئة الأجواء المناسبة لتنفيذ عمل ما يهدف إلى إخضاعها لمصلحة السلطة السورية الجديدة، تزامناً مع الزخم الذي تعيشه دمشق في هذه الفترة.
حملة "الشيطنة" بدأت قبل أيام مع تناقل كتاب وشخصيات عامة مقالاً مكتوباً ومنسوباً إلى شخص يُدعى أيمن دين، يُقدّم نفسه على أنه عضو سابق في تنظيم "القاعدة"، وعميل سرّي لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني MI6.
عضو "القاعدة" اتهم في منشور له، محافظة السويداء، باحتضان صناعة الكبتاغون في الوقت الحالي، معتبراً أن رفض الفصائل العسكرية المتواجدة في المحافظة الانخراط في النظام الجديد وتسليم سلاحها، يرتبط بكون المحافظة أصبحت تشكّل ملاذاً آمناً لصناعة المخدّرات.
وزعم بأن الفصائل العسكرية تستفيد من هذا الأمر تحت ستار حماية الأقلية الدرزية المتواجدة في المحافظة، وبأن "المجتمع الدولي يتعاطى بسذاجة مع ملف الدروز ويعتبرهم ضحايا"، معتبراً أن "الحماية المضلّلة منعت حكومة دمشق من أن يكون لها أي سلطة فعّالة في السويداء. في ظلّ الفوضى الناتجة، لم ينشأ جيب ديمقراطي أو معقل أقلية محبة للسلام، بل ما يشبه دويلة مخدّرات".
لطالما شكّل تدفق الكبتاغون من سوريا صداعاً كبيراً للدول المجاورة لسوريا والخليج العربي طيلة السنوات الماضية، حيث ارتبط هذا الملف بنظام بشار الأسد الساقط، الذي وظف صناعة المخدّرات لتمويل نظامه، ولكن الزج باسم السويداء في هذه الفترة وتناقل ما كتبه أيمن دين بهذه السرعة أوحى وكأن هناك خطّة ما تهدف إلى إظهار المحافظة وكأنها مدينة ميديين الكولومبية في ثمانينات القرن الماضي.
لكن هذه الاتهامات الموجّهة حصراً بشكل مباشر إلى المحافظة وغير مباشر إلى قادتها الدروز، تدحضها في البداية الضربات الجوّية الأردنية والتي استهدفت أفراداً من عائلة الرمثان، وهي من عائلات البدو المحلّية، في أكثر من بلدة أبرزها الشعاب في ريف السويداء، وسبق لمختار البلدة حمد الرمثان أن صرّح بأن البلدة يأتي إليها المهرّبون من مناطق ريف دمشق وحمص ودير الزور، ولا يُمكن ضبطها. وبالتالي، لم يتهم المختار أبناء المحافظة من الدروز بتهريب هذه المخدّرات.
الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في السويداء الشيخ حكمت الهجري، خرج بمواقف نارية منذ سنوات تناولت ضرورة القضاء على صناعة الكبتاغون، كما أبدى أكثر من مرّة، تأييده للضربات الأردنية التي تستهدف تجار المخدّرات في سوريا، وسبق له أن أكد أن "عدوّ الأردن هو عدو لطائفة الدروز في سوريا"، في إشارة إلى تجار ومهرّبي المخدّرات، داعياً إلى "تحديد الضربات ضدّهم"، ومؤكداً أن "الميليشيات الإيرانية هي الحامي لتجارة المخدّرات في الجنوب السوري".
ولم تكتفِ الفصائل المقرّبة من الهجري بالبيانات الإعلامية ضدّ تجار المخدّرات، بل عمدت عام 2022 إلى شن حملة استهدفت ميليشيا تابعة لراجي فلحوط المُدرج على العقوبات الأميركية، بسبب تهريب المخدّرات والقيام بعمليات خطف وانتهاكات، انتهت بالقضاء على مجموعته وتدمير المقرّات التي كان يستخدمها لتصنيع المواد المخدّرة.
سيناريو التصعيد الحالي ضدّ السويداء وعمليات التأليب والتحريض والتصويب من زاوية المخدّرات، يشبه إلى حدّ كبير التصعيد الذي مارسه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن حيال العراق واتهامه بتخزين أسلحة الدمار الشامل، قبل أن يتبيّن عدم صحة الاتهامات الموجّهة إلى نظام صدام حسين.
كما أن التعاطي مع السويداء ومناطق شمال شرق سوريا على أنها مماثلة لمنطقة وادي بانشير في أفغانستان، آخر معاقل مناوئي حركة "طالبان" التي حاصرتها بعد الانسحاب الأميركي عام 2021، أمر غير واقعي. فإذا كانت بانشير تشتهر بالتعقيدات الجغرافية، فإن هذه المناطق السورية مشهورة بالتعقيدات السياسية والجغرافية على حدّ سواء.