كتاب للدكتورة فاتن الحاج حسن

فؤاد شهاب نهج قائد ورئيس

5 دقائق للقراءة
غلاف الكتاب

في كتاب "فؤاد شهاب نهج قائد ورئيس" للدكتورة فاتن الحاج حسن، تسعى الكاتبة إلى تقديم قراءة موضوعية لتجربة الرئيس فؤاد شهاب، بعيداً من الغموض أو الاختزال الذي شاب العديد من المقاربات السابقة. وترى الحاج حسن، أنّ شهاب لم يكن زعيماً تقليديّاً، بل رجل دولة امتلك رؤية إصلاحية هدفها بناء مؤسسات حديثة تُعزّز دَور الدولة وتلبّي حاجات المواطنين، في مواجهة النظام الطائفي والزبائنية السياسية. يُبرز الكتاب أهميّة هذه التجربة، في محاولتها إرساء أسس الحكم الرشيد ضمن بيئة سياسية معقّدة، فأتى هذا العمل كمحاولة لفهم المشروع الشهابي ضمن سياقه التاريخي والاجتماعي، بعيداً من الانحياز. ومنه تنشر "نداء الوطن" فصلاً بعنوان: "فؤاد شهاب ورئاسة الجمهورية اللبنانية 1958-1964".



وفي منزل قائد الجيش في جونيه، تمّ عقد اجتماع ثالث، وقد قصد روبرت مورفي والسفير ماكلنتوك، المنزل عن طريق زورق قادهما إلى شاطئ طبرجا ومنه إلى المدينة بسبب تردّي الوضع الأمني على الطريق الساحلية، فتفاجأ من الزيارة مثلما تفاجأ ضيفاه من بساطة منزل قائد الجيش وقال لهما: "إذا قبلت التخلّي عن قيادة الجيش معنى ذلك أني وافقت على قتل ولدي".


وبعدها بساعات قصد رشيد كرامي وسياسيون آخرون، منزل اللواء فؤاد شهاب، وحاولوا لساعات طويلة إقناعه بالترشح لرئاسة الجمهورية، وكان ردّ فعله الرفض القاطع، لكنّ الأمل في نفوسهم لم ينقطع فقصدوا منزله مرة أخرى في الثالثة فجراً وأيقظوه من النوم وأصروا عليه لاستجابة مطلبهم فأجابهم: "إذا فتحت هذا الباب من يقفله؟ من سيكون في وسعه مستقبلاً منع أيّ ضابط من الترشّح لرئاسة الجمهورية؟ إذا وافقت أنا، سيعتبر أيّ ضابط أنّ هذا المزراب حقّ مشروع له". وكرّر رفضه مع تلميحه إلى إمكان درس الموضوع.



وفي 22 تموز 1958 عقد رشيد كرامي اجتماعاً مع روبرت مورفي، ناقشا كيفية إقناع فؤاد شهاب بالترشيح للرئاسة، وعلى الأثر توجّه رشيد كرامي إلى جونيه لمقابلة اللواء فؤاد شهاب وبادره قائلاً: "يعتقد روبرت مورفي أنك رجل العناية الإلهية".



وتمّ عقد الاجتماع الرابع بعد يومين، بين روبرت مورفي وفؤاد شهاب، في حضور السفير ماكلنتوك في مكتبة "الجامعة الأميركيّة في بيروت"، وقد قرّر فؤاد شهاب عدم الكلام في هذا الاجتماع ليعرف وجهة نظر روبرت مورفي الذي قال له: "لا أريد محاولة إقناعك بما يطلبه منك اللبنانيون، فأنت أولى منّي بالتجاوب مع رغباتهم، لكنني كصديق لهذا البلد أتمنى عليك أن تضع نفسك في المكان الذي يدعوك إليه شعب بلدك".



فابتسم للمجاملة التي كانت متزامنة مع تصاعد حملة تأييد انتخابه رئيساً للجمهورية وفاجأ محدّثه الأميركي بالقول: "لقد تشاورت مع الزعماء اللبنانيين واتفقنا مبدئيّاً على الموقف الذي يؤمّن مصلحة لبنان، فأرجو أن تتوقّفا عن التدخّل في هذا الموضوع". فأدرك المبعوث الأميركي الخاص روبرت مورفي والسفير روبرت ماكلنتوك، أنه وافق أخيراً، فقال له روبرت مورفي: "أيها الجنرال لست في حاجة إلى التأكيد لك أنك مخلص لبلدك وشعبك".



وتمّ التوافق لاختيار منصب رئيس الجمهورية ومنحه للواء فؤاد شهاب، بين الرئيسين المصري والأميركي، وبتزكية من الرئيس الفرنسي شارل ديغول، وكذلك شبه إجماع لبناني على هذا الاختيار.



وتمّ اجتماع في القصر الرئاسي، بعد دعوة الرئيس كميل شمعون للغالبية الموالية له في مجلس النواب، والتي كانت تضم ستة وأربعين نائباً من مجموع ستة وستين نائباً، وأبلغهم قراره، وهو الاقتراع لقائد الجيش اللواء فؤاد شهاب من غير أن يبوح بضغط روبرت مورفي عليه قائلًا لهم: "عليكم أن تختاروا بين انتخاب فؤاد شهاب أو تحمّلكم مسؤولية هذا الرفض. أنا سأغادر الرئاسة". وأصرّ في الوقت نفسه على عدم مغادرة القصر الرئاسي حتى انتهاء مدته الرئاسية في 23 أيلول 1958.



وحفاظاً على الشرعية الدستورية غير المنقوصة لرئيس الدولة، ومنعاً لفرض قاعدة تهدّد أيّ رئيس خلفه، وتلاعب بالقوة الدستورية الكاملة لولايته، وتعرّضها للتشكيك والطعن فيها وفي استمراره في منصِبه، فقد أيّد فؤاد شهاب الرئيس كميل شمعون في ذلك.



وفي 31 تموز 1958 عقد مجلس النواب الجلسة الخاصة، برئاسة عادل عسيران الذي أعلن أنّ هذه الجلسة مخصّصة لانتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية، وكان عدد النواب الحاضرين في الجلسة ستة وخمسين نائباً، وتغيّب عشرة نواب، وكان الترشيح محصوراً بين اللواء فؤاد شهاب والنائب ريمون إدّه، الذي أصرّ على أن يترشح للرئاسة ضد اللواء فؤاد شهاب رغم يقينه من النتيجة، إلا أنه أبى إلا أن يحفظ للديمقراطية دورها واحترامها، فلا يقال إنّ رئيس جمهورية لبنان انتُخب بالإجماع كما في أي بلد عربي.



حاز اللواء فؤاد شهاب على أغلبية الأصوات بعد حصوله على ثمانية وأربعين صوتاً مقابل سبعة أصوات نالها منافسة ريمون إدّه وورقة واحدة بيضاء. خاطب فؤاد شهاب اللبنانيين في 4 آب 1958 قائلاً: "لنعد إلى الطمأنينة والاستقرار، فغايتنا انسحاب القوات الأجنبية، ولنعد إلى الميثاق ففيه سياستنا الوطنية الخالصة والعربية الناصعة والخارجية الحرّة، سيكون رائدنا المساواة بين اللبنانيين، والإخلاص والصراحة مع العرب، والصداقة والكرامة مع الأجانب، سنبني الدولة بالنزاهة والعدل والتجدّد والعلم والمساواة والمسؤولية، سأكون بارّاً بالجميع دون تمييز أو تفريق، وبارًّا بأرض الوطن وتاريخه ومستقبله"، وأشار في خطابه إلى ضرورة إقامة علاقات جيّدة مع سوريا ومصر، محاولاً عدم اعتماد سياسة تتعارض مع سياستهما. 



أذاعت المعارضة بياناً رحّبت فيه باللواء فؤاد شهاب، واعتبرته تحقيقاً لمطالبها، ودعت فيه إلى تأييد الرئيس المنتخب فؤاد شهاب. لكن بعض رجال الانتفاضة حاولوا إنهاء ولاية شمعون ليكون الفضل لهم في ذلك وليس لقائد الجيش اللواء فؤاد شهاب، فتمّ عقد اجتماع بينهم وبين قائد المنطقة العسكرية الجنوبية العقيد فؤاد لحّود، لكنّ اللواء فؤاد شهاب وصلته أخبار الاجتماع، فعقد اجتماعاً بينه وبين الرئيس كميل شمعون أسفر عن إقالة العقيد فؤاد لحود من الجيش بتهمة التآمر على الدولة، وبذلك تخلّص فؤاد شهاب من خصم قوي داخل الجيش وطامح برئاسة الجمهورية.