نهاية ثمانينات القرن العشرين، تعرَّفتُ على عالم الاستخبارات والجاسوسيّة وانبهرت به من خلال مسلسل "Mission: Impossible".
عُرضت حلقات المُسلسل حينذاك تلفزيونياً نهاية كلّ أسبوع، لتصبح صباح كل يوم إثنين الحديث الشّاغل في أماكن العمل أو ملعب المدرسة لدى أبناء جيلي. لكن لم يُخيَّل لأحد بأن يتحوَّل هذا المسلسل إلى إحدى أضخم وأنجح سلسلة أفلام "Spy-Action" في تاريخ السّينما حتّى اليوم، بفضل الممثّل والمنتج، النّجم توم كروز.
واليوم، يعود كروز في جزءٍ ثامنٍ وأخير بعنوان "Mission: Impossible - The Final Reckoning"، لختام رحلةٍ قاربت الثلاثين عاماً من عمر هذه السّلسلة، حيث يُواجه العميل Ethan Hunt تهديداً غير مسبوق يتمثّل في "الكيان" (The Entity)، وهو ذكاء اصطناعي مُتمرّد يُهدّد الأمن العالمي.
تدور الأحداث حول محاولة الفريق استعادة الشّيفرة المصدريّة (Source Code) لهذا الكيان، من غوّاصة روسيّة غارقة، ما يدفع إلى مغامرات محفوفة بالمخاطر.
وفي حين أنّ السّلسلة، كانت معروفة دائماً بالحركة والمُطاردات والانفجارات، يُسلّط الفيلم الأخير الضوء على تأثير المعلومات المُضلِّلة، طارحاً تساؤلات أخلاقية وفلسفيّة، منها: إلى أيّ مدى يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يحكمنا؟ وهل ما يزال هناك مكان للبشر في معادلة الحماية والسّيطرة؟
تحدي الجاذبيّة والواقعيّة
يواصل توم كروز تحدّي الحدود الفيزيائيّة بأداء المشاهد الخطيرة بنفسه، والتي لا يعتبرها فقط من أبرز العناصر التقنيّة للفيلم، بل يعاملها كشخصيّة بحدّ ذاتها، لِما لها من دور أساسي في دعم الحبكة وبناء التوتّر الدّرامي.
ويُفاجئنا هذه المرّة بمشهدَين جديرَين بقطع الأنفاس والتشبّث بكرسي السّينما: من الغوص في مياه القطب الشّمالي في سبيل أعمق مهمّة مستحيلة، إلى التعلّق بجناح طائرة أثناء الطّيران. وتُثبت هذه المشاهد مجدّداً، مدى التزامه وتفانيه اللامُتناهيَين في تنفيذ لقطات المُجازفة، ما يُضفي إحساساً بالواقعيّة الفائقة، من دون الوقوع في فخ التّكرار أو الاستعراض المجاني.
الخطر يتنفّس موسيقى
"في كلّ خمس نوتات، مهمّة مستحيلة تبدأ"، هكذا عرَّف وخلّد المؤلّف الأرجنتيني المُبدع Lalo Schifrin بموسيقاه العبقريّة، عالم "Mission: Impossible".
ومن أروع ما شهده الجزء الأخير، استعادة البداية الكلاسيكيّة الموسيقيّة التي اشتهر بها المسلسل التلفزيوني، كذلك الأجزاء الأولى للسّلسلة السّينمائيّة. ورغم أنَّ الاقتباس السّينمائي عبر الّسنين، أعاد توزيع الموسيقى بشكلٍ عصري، إلّا أنَّ جوهر لحن Schifrin ظلَّ حاضراً بِقوّة في نبض "المهمّة المستحيلة"، وقادراً على التحوّل مع الزمن من دون أن يفقد تأثيره.
تفتّت الدّولة العميقة
المُلفت أيضاً في حبكة الفيلم، أنَّ وكالة "IMF" التي تمثّل الذراع الخفيّة الأهم للدولة الأميركيّة، تجد نفسها مُهدّدة من الداخل، في إشارة إلى نهاية عصر الثقة بالاستخبارات كمؤسّسات مُستقلّة.
وتظهر شخصيات داخلية تُمارس الخيانة أو الغموض، بشكلٍ يعكس هشاشة بُنية القرار السّياسي في الديمقراطيات الغربية. كما يُظهر الفيلم أنَّ صراع الدولة الأميركيّة في مواجهة الدولة الآليّة، يُعيدها إلى منطق بدائي بحت:
التّضحية بالبعض لإنقاذ الأكثريّة! وانطلاقاً من هذه الفرضيّات، ينجح العميل الأميركي Ethan Hunt بتثبيت مفهوم نظيره البريطاني، العميل الأشهر سينمائيّاً James Bond الذي يُنادي بمبدأ انتصار الفرديّة الأخلاقيّة (Heroic Individualism).
فالفرديّة هي جوهر الليبراليّة الغربيّة، التي تسعى دائماً ليكون لديها بطل، حتى لو كان شخصيّةً خياليّةً سينمائيّة. ولا يخلو الفيلم من الإشارات السّينمائيّة التّاريخيّة ذات الأبعاد السّياسيّة، ففي مشهد اقتحام Hunt/Cruise لحجرة الطّوربيدات داخل الغوّاصة الروسيّة، نتخيّل أمامنا مُلصق الفيلم الرّوسي الأسطوري "Battleship Potemkin" للمُخرج الرّؤيوي Sergei Eisenstein. ولدى مُتابعة المشاهدين هذا المشهد بالتّحديد، سيشهدون حرباً باردة، بل قارصة بكل الأبعاد السّينمائيّة.
وكي تستمتعوا فعلاً بروعة التّجربة السّينمائيّة المُصاحبة باندفاع الأدرينالين التّشويقي، أنصحكم بمشاهدة المُغامرة الأخيرة من "Mission: Impossible" في صالة السّينما الأهم والأضخم والأحدث تقنيّاً، المتوفّرة قربكم.