جويل غسطين

في كتاب "أنا الشيعي عربي"

هادي مراد يكتب عن اختطاف التّشيّع العربي باسم "ولاية الفقيه"

6 دقائق للقراءة
من توقيع كتاب مراد في "معرض بيروت العربي الدولي للكتاب"

في كتاب "أنا الشيعيّ عربيّ"، يطرح النّاشط السّياسي الدكتور هادي مراد أسئلة جريئة حول "ولاية الفقيه"، وهويّة التّشيّع العربيّ، والتّوظيف السّياسيّ للمذهب: فهل يمكن للشّيعي أن يكون عربيّاً بلا ولاء لطهران؟ ولِمَ يُقصَى المعتدلون ويُخوَّنون؟

من خلال قراءة نقديّة تستند بمقاربتها إلى القرآن الكريم والعقل، يستعيد مراد صوت الاعتدال داخل البيت الشّيعيّ، مستنيراً بتجارب العلماء شمس الدين، فضل اللّه، الصّدر، الخوئي، وآخرين.



انطلقت شرارة تأليف كتاب "أنا الشيعيّ عربيّ" (الصادر عن "دار النهار") مطلع عام 2022، حين استشعر الدكتور هادي مراد تصاعد نفوذ "حزب اللّه" وهيمنته المتزايدة على القرار الشّيعيّ، لا سيّما بعد نتائج الانتخابات النّيابية. هذا النّفوذ، بحسب مراد، تجاوز السّياسة ليطول تفاصيل حياة الناس من الفقه إلى العقيدة، في محاولة لفرض تفسير واحد للتشيّع يخدم مصالح محدّدة. أمام هذا الواقع، قرّر مراد الغوص في عمق العقيدة الشّيعية، باحثاً عن جذورها الأصيلة، وساعياً إلى كشف الانحرافات الّتي طرأت عليها، في مشروع فكري يسعى إلى التّحرّر من القيود السّياسية المفروضة باسم الدِّين.


دوافع الكتابة

يأتي كتاب "أنا الشيعيّ عربيّ"، امتداداً لنهجٍ توعويّ ينتهجه الدكتور هادي مراد في مؤلّفاته، لكن هذه المرّة كان التّركيز أكثر وضوحاً على الشّباب الشّيعي اللّبناني. أراد مراد من خلال مؤلَّفه ربط الجسور بين الجيل الجديد وجوهر التشيّع الحقيقي الذي، بحسب قول مراد لـ "نداء الوطن"، جرى حرفه عن مساره الأصلي وتحميله بالبدع والخرافات.

استند الكاتب إلى أكثر من 90 مرجعاً شيعيّاً موثوقاً ومعترفاً به من الشّيعة الأوائل والأئمّة، ليؤسّس طرحه على أرضيّة فكريّة راسخة لا تحتمل التّأويل، مستخدماً أسلوباً مبسّطاً ولغة سلسة، ليسهّل على الشّباب استيعاب المفاهيم الجوهريّة للتّشيّع، ومقارنتها مع النّسخة الحالية التي يرى أنّها خرجت عن السّياق العقائديّ الأصيل نحو مساراتٍ تخدم أجندات أخرى.


فكرٌ مُقاوِم رغم التّهديدات

يرى الدّكتور هادي مراد، أنّ مجرّد مخالفة الفكر السّائد المرتبط بولاية الفقيه كفيل بوضع صاحبه في دائرة التّخوين والإقصاء، في بيئةٍ لا تحتمل التّعدد ولا تعترف بالرأي الآخر. ويستشهد مراد بقول العلّامة الرّاحل السّيد محمد حسين فضل اللّه: "هم يخافون أن نفكّر"، ليؤكّد بالتّالي، أنّ كتابه "أنا الشيعيّ عربيّ"، هو فعل تفكير وتمرّد على أحاديّة المفهوم، لا مجرّد نصّ فكري.


مراد يكشف أنّ مواقفه المعارِضة كلّفته الكثير، إذ تعرّض لسلسلة تهديدات ومضايقات، وصلت حدّ قصف منزله في بعلبك. إلّا أنّ تلك المحاولات، كما يقول، لم تزده إلّا إصراراً على قول الحقيقة، مردّداً: "سنبقى الحبر الحرّ بوجه الرّصاص الحيّ".


كيف غيّرت إيران مسار التشيّع؟

بحسب مراد، سعت إيران لدخول البلدان والمناطق التي تضمّ كثافة سكانيّة شيعيّة، بغرض الهيمنة على القرار السّياسي فيها، مستندةً إلى مشروع فكريّ توسّعي تَعَزَّز بعد "الثّورة الإسلاميّة في إيران" عام 1979 بقيادة الإمام الخميني. ويعتبر مراد أنّ هذا التوجّه السّياسي يتناقض مع المسار التّاريخي للتّشيّع، إذ لم يسجّل التّاريخ أنّ الأئمة العشرة – بعد الإمامَين علي بن أبي طالب والحسين - انخرطوا في الحكم السّياسي بشكل مباشر، بل كانوا علماء فقه ودين فقط، في كنف الدّولتَين العباسيّة والأمويّة، على الرّغم من معارضتهم العديد من قرارات الدّولة آنذاك.


لاحقاً، أسّس الشيعة دولتهم الصّفوية في إيران خلال القرن السادس عشر، حيث بدأ الفقهاء الشيعة يلعبون دوراً أكبر في الشّؤون السّياسيّة، ومنحوا الشّرعية الدّينية للسّلطة الحاكمة، وكانوا يدعمون السّلطان من موقع المرجعية الدينية. وهنا، يشير مراد، إلى بدء التّحوّلات العقائديّة الخطيرة، حيث طُرح مفهوم "ولاية الفقيه" على يد الشّيخ أحمد النّراقي في القرن التّاسع عشر، لكنّه لم يطرحها كنظام حكم سياسي، بل كمجال لاجتهاد فقهي. وكان ذلك في غياب أي دعوة لإقامة دولة دينيّة، ثمّ تطوّر لاحقاً على يد الإمام الخميني، الذي نقله من كونه رأياً فقهيًاً إلى نظام حكم سياسي ملزم.


ويشدّد مراد على أنّ هذا التحوّل، يمثّل قطيعة مع التّراث الشّيعي الأصيل، إذ إنّ الفتوى كانت تاريخيّاً وسيلة لتوجيه الناس إلى شؤون دينهم، أما الحكم السياسي، فهو فرض قسري لقواعد حياتيّة وشخصيّة. هكذا، بحسب مراد، استطاعت إيران "تعليب العقول" وتصدير نسخة من التّشيّع لا تمتّ بِصلة إلى جوهر العقيدة.


الرؤية الفكرية

تأثّر الدكتور هادي مراد بعدد من الشّخصيات البارزة في الفقه الشّيعي، والّذين كان لهم أثر كبير في تشكيل رؤيته النّقدية ومقاربته مفهوم التّشيّع. وقد استند في كتابه "أنا الشيعيّ عربيّ"، إلى أقوال وأفكار عدد من هؤلاء العلماء الّذين عُرفوا بمواقفهم الرّافضة أو المتحفّظة تجاه مفهوم "ولاية الفقيه" بصيغته المطلقة، كما طوّره الإمام الخميني، أبرزهم:


- الشيخ محمد مهدي شمس الدّين، الرّئيس السّابق للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، الذي كان من أبرز المعارضين لنظريّة ولاية الفقيه، واعتبر أنّ هذه النّظرية تخالف أصول الإمامة.


- السّيّد محمد جواد مغنيّة، الفقيه والمفكّر اللّبناني، الذي رفض فكرة انتقال الولاية إلى فقهاء غير معصومين في زمن غيبة الأئمّة.


- السّيد محسن الأمين، المرجع الشّيعي اللّبناني، الّذي ركّز على دور الفقيه في الفقه والقضاء والاجتهاد، وليس على دوره في السّلطة السّياسية المطلقة.


- السّيد أبو القاسم الخوئي، المرجع الشّيعي العراقي، الذي رفض الإقرار بولاية الفقيه المطلقة، معتبراً أنّ الأدلّة الشّرعية التي استند إليها مؤيّدو ولاية الفقيه غير كافية لإثبات هذه النّظرية.


- الدكتور محسن كديور، الفيلسوف والمفكّر الإيراني، الذي نقض نظريّة الحكم في الفكر السّياسي الشيعي، واعتبر أنّ هذه النّظرية تتعارض مع مبادئ الدّيمقراطية وحقوق الإنسان، وتؤدّي إلى حكم استبدادي باسم الدّين.


الخلاصة

إذاً، كتاب "أنا الشيعيّ عربيّ" للدكتور هادي مراد، ليس بحثاً فقهيّاً فحسب، بل صرخة هويّة تدعو لفكّ الارتباط بين التّشيّع والحكم، وتحرير المذهب من الغلوّ والتّسييس. إنه دعوة لتصحيح المسار، وإعادة التّشيّع إلى أصله: إيمان لا يُختزل بالحاكم، وانتماء لا يُلغي العروبة.



الكاتب يوقّع كتابه




غلاف الكتاب