محمد البابا

بوتين في الزاوية: حين كشف زيلينسكي وجه روسيا الحقيقي وأجبر ترامب على مراجعة نفسه

5 دقائق للقراءة

في منعطف سياسي لافت، بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث بلهجة مغايرة تجاه نظيره الروسي فلاديمير بوتين، متخليًا عن خطابه السابق المتساهل والمثقل بالإعجاب، ليتبنى توصيفات علنية تصف بوتين بأنه "مجنون" و"يلعب بالنار"، وذلك عقب سلسلة من الهجمات الروسية المكثفة التي طالت أكثر من ثلاثين مدينة أوكرانية وأدت إلى مقتل مدنيين بينهم أطفال. هذه التصريحات، وإن صدرت عن مرشح غير حاكم، تعكس تغيراً جوهرياً في طريقة قراءة ترامب للمشهد الروسي، وتؤشر إلى مرحلة جديدة من الخطاب السياسي الأميركي تجاه الحرب في أوكرانيا، حتى وإن كانت هذه المراجعة محكومة بحسابات داخلية وشروط مالية أميركية–أوروبية معقدة.

لفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى جذر المسألة، أي إلى طبيعة النظام الروسي نفسه. فمنذ أكثر من عقدين، يقود فلاديمير بوتين سياسة خارجية قائمة على استعادة النفوذ السوفييتي بالقوة، عبر أدوات عسكرية وأمنية واستخباراتية، وبأسلوب يعكس طبيعة استبدادية متجذّرة في بنية الدولة الروسية. الحرب في أوكرانيا ليست أول تجليات هذا النهج، بل هي امتداد لحرب عام 2008 في جورجيا، حين اجتاحت القوات الروسية إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وفرضت أمرًا واقعًا بالقوة، تم تثبيته لاحقًا بدعاية إعلامية كثيفة واعترافات أحادية الجانب. في أوكرانيا، بلغت العدوانية الروسية ذروتها، إذ لم يكتف الكرملين بضم القرم عام 2014، بل أطلق بعد ثماني سنوات عملية غزو شامل بدأها بقصف مدن آمنة مثل خاركيف ولفيف وكييف، ثم تتالت الجرائم الممنهجة: قصف مستشفيات الولادة، استخدام القنابل الفوسفورية، اختطاف آلاف الأطفال الأوكرانيين ونقلهم قسرًا إلى روسيا، عمليات تطهير عرقي في مدن مثل ماريوبول وباخموت، واستخدام الغذاء كسلاح من خلال استهداف مخازن الحبوب وموانئ التصدير.

وليست هذه الممارسات سوى حلقة ضمن سلسلة من الجرائم العابرة للحدود ارتكبها النظام الروسي بقيادة بوتين. ففي الشيشان، لم يكتف الكرملين بسحق التمرد المسلح، بل دمّر مدينة غروزني بالكامل تقريبًا، تاركًا وراءه آلاف القتلى من المدنيين، وفرض نظامًا بوليسيًا مواليًا عبر القمع والتصفية. وفي سوريا، دعمت موسكو نظام بشار الأسد سياسيًا وعسكريًا، وشاركت في قصف مدن كاملة مثل حلب وإدلب، مستخدمة طيرانها الحربي لتدمير البنية التحتية المدنية من مستشفيات ومدارس، وفق ما وثّقته منظمات دولية كالعفو الدولية وهيومن رايتس ووتش. كل ذلك يثبت أن العقيدة القتالية والسياسية الروسية لا تقوم على ردع الخصوم، بل على إذلالهم، ولا تستهدف العسكريين وحدهم، بل المدنيين كوسيلة حرب.

هذا الإدراك بدأ يتسلل أخيراً إلى عقل ترامب، الذي طالما تعامل مع بوتين بشيء من الإعجاب وربما الحسد السياسي، وقلّل في مرات عديدة من أهمية الجرائم الروسية، بل واعتبر أوكرانيا جزئياً مسؤولة عن اندلاع الحرب. غير أن فشل المفاوضات الأخيرة، التي لعب فيها ترامب دور الوسيط المقترح، ثم الهجمات الروسية العنيفة التي تلتها، أربكت المشهد وجعلت التواطؤ مع بوتين مكلفاً. التحول في خطاب ترامب يُقرأ من زاويتين: الأولى أنه يواجه ضغطاً داخلياً متزايداً من الحزب الجمهوري نفسه، وخصوصاً من صقور الأمن القومي الذين يرون في بوتين تهديداً إستراتيجياً. والثانية أنه بدأ يلمس استحالة الوصول إلى "صفقة كبرى" مع بوتين، بسبب طبيعة الأخير التي لا تقبل التسويات، ولا تؤمن بشيء سوى الإخضاع الكامل للخصم. مع ذلك، فإن تغير خطاب ترامب لا يعني بالضرورة تغييراً في سياساته المستقبلية، إذ يرافق ذلك دعوات لتقليص الإنفاق العسكري الأميركي على أوكرانيا وتحميل أوروبا الجزء الأكبر من كلفة الدفاع عنها، في ما يشبه صيغة "الاعتراف بالخطر دون المواجهة المباشرة"، وهي صيغة تُرضي قاعدته الانتخابية دون أن تزعزع موقعه الجيوسياسي.

في موازاة ذلك، لا يمكن تجاهل الدور المحوري الذي أدّاه فولوديمير زيلينسكي، ليس فقط في إدارة المعركة على الأرض، بل في بناء سردية دولية قوية وقادرة على فضح جوهر النظام الروسي. زيلينسكي لم ينتظر استجابة الغرب ببطء، بل تصرف بمبادرة مستمرة، فزار العواصم الكبرى، تحدث في البرلمانات، أطلق مبادرات إنسانية وأمنية، كشف تعنّت بوتين في محادثات تبادل الأسرى، وقدم نفسه كرئيس لدولة ديمقراطية تقاتل دفاعاً عن القيم المشتركة، لا مجرد حدود جغرافية. واحدة من أكثر اللحظات الفاصلة في هذه المواجهة، كانت حين دعا زيلينسكي علناً إلى مفاوضات مباشرة في إسطنبول، وعرض على بوتين حلاً دبلوماسيًا مشرفًا يشمل وقف إطلاق النار وتبادلاً إنسانياً واسعاً، مع ضمانات أمنية دولية. كان العرض مدروسًا ويضع موسكو أمام خيار سياسي حقيقي، لكن الكرملين رفضه، وواصل قصف المدن. هذا الرفض العلني لمبادرة سلام، صادرة عن رئيس دولة تحت الحصار، وضع بوتين في الزاوية سياسيًا وأخلاقيًا، وأكد على أن موسكو لا تبحث عن تسوية، بل عن استسلام مطلق من الطرف الآخر. بذكاء سياسي واضح، عرف زيلينسكي كيف يحوّل مواقف بوتين العدوانية إلى أدوات في صالحه، مقدماً الأدلة تلو الأدلة على أن موسكو لا تسعى للسلام، بل تستخدم المفاوضات كغطاء للاستمرار في القتل. كما تمكن من تصوير معركة أوكرانيا كخط الدفاع الأول عن أوروبا، فحوّلها من "قضية محلية" إلى "مسؤولية جماعية"، وبهذا أربك الكرملين ودفعه إلى ارتكاب المزيد من الأخطاء المكشوفة أمام الرأي العام العالمي.


إن تراكم هذه العناصر، من وحشية بوتين وجرائمه العابرة للحدود، إلى بداية انفتاح ترامب على الحقيقة، إلى براعة زيلينسكي في استثمار اللحظة السياسية، يكشف أننا أمام تحول نوعي في بنية الخطاب الدولي تجاه روسيا. لم تعد المسألة مجرد نزاع حدودي أو أزمة أمن إقليمي، بل صراع قيم بين عالم يريد الاستقرار، ونظام روسي يرى في الفوضى فرصة لفرض إرادته.