وائل خير

ربما فاتنا القطار

4 دقائق للقراءة

منذ ما يزيد على النصف قرن، بالتحديد منذ اتفاقية القاهرة عام 1969 دخل لبنان دوامة الحروب الأهلية والاحتلالات الثلاثة. هي صفحة سوداء طويت واستبدلت بفرصة إن أحسنّا استغلالها، لتم وصل لبنان بفترة سلم وازدهار اتّصف بها قبل الحروب الأهلية والاحتلالات.


لا تكفي الظروف الموضوعية لخروج لبنان من مأساته بل لا بد من شروط ذاتية تكملها: كفاءة من ولي الحكم ووضوح رؤية وشجاعة وحزم في اتخاذ قرارات حاسمة كثيراً ما تكون مؤلمة. سمات يتزايد التساؤل عن توفرها بحكامنا.

مر على عهد الرئيس جوزاف عون سته أشهر، أي 1 على 12 من ولاية بدأت واعدة أطاحت بتحكّم رئيس مجلس النواب، والسلاح وراءه، بالمهل الدستورية ما أدى إلى شغور سبع سنوات في رئاسة الدولة، وغلبت ظاهرة إدارة المجالس الوزارية "بالتكليف"، كلها انتهت بعد حرب استأصلت رموز ومعظم قيادات "حزب الله" وأوقعت به هزيمة مكّنت من عقد جلسة انتخاب رئيس حاز أصوات عدد غير متوقع من النواب. رئيس خرج لأول مرة منذ عقود عن إرادة المتحكمين بمصير لبنان، ليتبع ذاك الحدث خطاب قسم لا لبس فيه لجهة سيادة الدولة وانفرادها بالسلاح وبالقرار. كان بعد هذه التطورات تكليف شخصية لم تفرض على رئيس الجمهورية، كما في السابق، من الفاسدين والمرتهنين للخارج. ثم إن حكومة الرئيس نواف سلام التزمت في بيانها الوزاري من دون تورية أو التباس، بالقسم من جمع السلاح وتطبيق الاتفاقيات الدولية معددة إياها مكررة مضامينها.

تلك كانت الذروة ليأتي التراجع بعدها. الانزلاق الأول كان الرضوخ لمطلب "الثنائي الشيعي" في إسناد وزارة المالية لمن سمّى، واختيار سائر الوزراء الشيعة ممن يحظى برضى "الثنائي". من مظاهر الانزلاق كان تسمية اثنين من حصة رئيس مجلس الوزراء كانا من وزراء عهود الاحتلال والهيمنة السورية من دون تمتع أي منهما بخصال أو مزايا أو كفاءات تبرر هذا الاستثناء.

ثم هناك الأداء. كيف طبّق مجلس الوزراء ما التزم به من حصر السلاح بالدولة؟

ربما للحكم أسبابه إذ ترك تلك المهمة للقصف الإسرائيلي وللقوات الدولية "اليونيفيل". غير أن مظاهر الضعف كانت بأمرين بغاية الأهمية. الأول كان مقابلة الرئيس اللبناني مبعوثة الرئيس الأميركي مورغن اورتاغوس. الإعلام اللبناني، دون استثناء، استنكر وضع الموفدة في إصبعها خاتماً يحمل شعارها الديني، نجمة داود. موقف مشين بحق صحافة لبنان ولبنان بأجمعه. هل تسمح قيم عالمنا الحديث الطعن بشخص بسبب دينه؟ ثمة إساءة أخرى لازمت ذاك الحدث إذ أدلت أورتاغوس بتصريح باسم الدولة التي تمثّل. الإعلام الرئاسي، وخلال دقائق، أصدر بياناً رسمياً نفى موافقة عون على تصريح لا علاقة له به. ثم إن نائب رئيس مجلس الوزراء وصفها أمام الصحافيين بـ "الشمطاء" ليعود إلى نفي ما كان مسجلاً. في هذا المجال لا بد من إضافة "روح الدعابة" التي اشتهر بها الرئيس بري: "هل هي جميلة كما تبدو في صورها؟" سأل الشخصية الثانية في تراتبيّة الحكم اللبناني الذي يطرق أبواب التسعين من عمره المديد.

لم يتوفق العهد الجديد في ضخ إصلاحات تذكر لا في الإطار الإداري ولا في أمور ملحة تطال شطراً واسعاً من اللبنانيين كمسألة الودائع. الثغرة الكبرى غياب لبنان الكلي عن حدث قد يقرر ملامح المنطقة. زيارة ترامب ولقاءاته المتعددة بحكامها في غياب محرج للبنان. حتى اشتراك الرئيس عون بالقداس الحبري الأول للبابا لاوون الرابع عشر، شابه سوء تعامل الإعلام اللبناني الرسمي مع واقعة مصافحه الشيخ موفق طريف، ضيف رسمي للفاتيكان، إذ ما إن بثت وسائل الإعلام الحدث حتى أصدر القصر الجمهوري، دون مبرر، بياناً  تبرأ فيه من المصافحة بحجة أن الرئيس لم يكن على علم بشخص من صافح.

يتطلب سرد الأشهر الأولى للعهد ذكر الزيارة الرسمية لرئيس السلطة الفلسطينية للبنان. حدث لكان أكثر أهمية لولا انتقال القرار الفلسطيني من الرئيس عباس إلى أخصامه.

المأخذ الأكثر جدية هو ما يرشح من واشنطن عن شكوى وتذمر في تقصير السلطات بجمع سلاح المقاومة عملاً بالقرارات الدولية. لا يجد الأميركيون سبباً لتلكؤ الجيش اللبناني وهو الأكثر عدداً نسبة لمجموع الشعب بين الدول العربية ويقل قليلاً عن نسبة إسرائيل - 1,5 مقابل 1,7.

لا يخلو المشهد من تطور إيجابي بدا في الانتخابات البلدية. خشية فضح مقدار انسلاخ قاعدته الشعبية عنه، ضغط الثنائي لاعتماد التزكية بدلاً من التنافس الانتخابي. بديهي أن التزكية تؤمن الإمساك بالتمثيل، لكنها تطمس الأرقام وتخفي انحسار قاعدتهما الانتخابية.