في عملٍ مسرحيّ نابض بالوجع والصّدق، تقدّم الكاتبة والمخرجة ريتا الباشا عملها الأول، مسرحيّة «إلك خيّي»، تحت إشراف وإرشاد المخرجة لميا أبي عازار. عرضٌ هو ثمرة مسار طويل من الكتابة بدأته الباشا عام 2021، بعد مشاركتها في ورشة كتابة ضمن برنامج الإرشاد المسرحيّ، في «مسرح زُقاق». وقد استغرق الأمر أكثر من سنتَين لإنجاز النصّ الّذي يلامس جرحاً وطنيّاً لم يندمل، هو انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020.
المسرحيّة التي ستُعرض الساعة 8:00 مساء اليوم 31 أيّار، وغداً أول حزيران والسبت 7 حزيران 2025، على «مسرح زقاق» في الكرنتينا، تدور حول نتائج وتداعيات انفجار المرفأ التي لا تزال حاضرة بقوّة في وجدان اللّبنانيين، وفي تفاصيل حياتهم اليوميّة. وما يجعل هذا العمل مختلفاً، هو انطلاقه من تجربة شخصيّة، إذ تكشف كاتبته ومخرجته ريتا الباشا لـ «نداء الوطن» أنّ مسرحيّتها مستوحاة من قصّة شقيقها الّذي أُصيب في الانفجار، وتنطلق من معاناة حقيقيّة عاشتها عائلتها، واصفةً تلك المرحلة بغير الطبيعية. بهذا المعنى، تشكّل المسرحية توثيقاً شخصيّاً ضمن حبكةٍ دراميّة، تُعيد فيها الكاتبة والمخرجة سرد الألم بلغةٍ فنيّة.
في سياقٍ موازٍ، تكشف الباشا أنّ مسرحيّتها لا تتناول لحظة الانفجار مباشرةً، بل تنطلق ما بعد مساء 4 آب، من تلك اللحظات المعلّقة بين الفقد والبحث عن معنى. وتؤكّد أنّ نصّها ليس ابن لحظته، بل يمكن عرضه ومشاهدته حتّى بعد عقود، لأنّه يتناول الغياب، الذّاكرة، والمواجهة مع الخسارة، وهي مواضيع تتجاوز الزّمن والمكان.
شخصيّات المسرحيّة
يؤدّي الأدوار في مسرحيّة «إلك خيّي»، ثلاثة ممثلّين من الشباب، هم: جنى بو مطر، شربل الحاج موسى، وحنّا يزبك. فيجسّد كلّ من بو مطر والحاج موسى دورَي الشّقيقين يمنى ورالف، في حين يؤدّي يزبك شخصيّة الجار سيمون.
وفي حبكةٍ مشحونة بالمشاعر، تعود يمنى من غربتها إلى وطنها، حاملةً وصيّة والدها الرّاحل الذي طلب منها في حال وفاته، السّفر مع شقيقها رالف. لكنّ رالف، الرّافض مغادرة بلده قبل أن تتحقّق العدالة، أصرّ على المطالبة بحقّ والده المظلوم، كما باقي ضحايا المرفأ. فتحاول يمنى إقناعه مجدّداً بالرّحيل، بعدما ظنّ أنّها عادت لتبقى. وبينهما، تتكثّف لحظة الصّراع: بين من يريد أن يبدأ من جديد، ومن يرفض دفن الحقيقة والرّحيل قبل المحاسبة. إنّها مواجهة صامتة بين الحنين والخذلان، بين ماضٍ يرفض أن يُمحى، ومستقبل مُعلّق على مشنقة الانتظار.
الفقد والحرب في المصعد
يمنى، تعود إذاً من غربتها إلى المبنى العائلي القديم في الأشرفيّة، في الحيّ الذي ما زال يحمل آثار الحرب والذّكريات الثقيلة، والذي كان من المناطق الأكثر تضرّراً بسبب انفجار 4 آب، وقبله الحرب الأهليّة. تدخل المصعد لبلوغ منزلها، لكنها تُفاجَأ بانقطاع الكهرباء، فتعلق داخل المقصورة. في ذلك الفضاء الضيّق والمغلق، تبدأ حالة من التّرقّب والقلق، ويتحوّل هذا المربّع المعدني الصّامت إلى مسرح داخليّ لصراعٍ نفسي عميق. تنادي شقيقها رالف، فيسرع إلى نجدتها برفقة جارهما سيمون، الذي لا يزال يحمل جرحاً مفتوحاً مذ فَقَد والدته خلال الحرب الأهليّة اللّبنانية. لا تُقدِّم الباشا، سيمون، كشخصيّة ثانويّة، بل كمرآة لذاكرة جماعيّة ممزّقة، كجيل لم يخرج يوماً من أهوال الماضي، ولا يزال يرزح تحت ثقله، حتى بعد مرور سنواتٍ على انتهاء الحرب.
من خلال هذا المشهد، تفتح الكاتبة والمخرجة ريتا الباشا نافذة على جراح وطن يعيش في ظلال مآسيه، وتُسقِط على المصعد رمزيّة قويّة، تجعل منه استعارة مثاليّة عن حصار الذّاكرة اللّبنانية، حيث تتحرّك الشّخصيّات بين مشاهد من الحرب، مروراً بكارثة انفجار مرفأ بيروت، إلى الفقد الشّخصي، وصولاً للانهيارات المتتالية التي لم تترك بيتاً واحداً من دون ندبة. لحظة الاحتجاز التي كان يُفترض أن تكون عابرة، تتحوّل إلى تجميدٍ للزّمن، ومجال مفتوح لِما لم يُقَل، وما تمّ تأجيله، أو نفيه، أو كبته.
في العتمة، بين الجدران الأربعة للمصعد، يُكسر الصّمت بين الشّقيقَين يمنى ورالف اللذين ينبشان الماضي، ويتحدّثان عن الألم والغربة، وعن الشّعور بالخسارة المستمرّة والقلق من وطن يتغيّر ويخذل أبناءه، لكنّهم مع ذلك لا يستطيعون الانسلاخ عنه. تُصارح يمنى شقيقها بحقيقة حياتها القاسية في المهجر، بعزلتها وحنينها، وذنبها لأنها تركته خلفها. وفي المقابل، يكشف رالف عن يأسه المتراكم، وعن تعلّقه بوطنٍ يكاد يلفظه من شدّة ما أنهكه. أما الجار سيمون، فيطلب منها فهم مشاعر شقيقها، لأنه مرّ بتجربة رالف سابقاً، عندما عاش الفقد والخذلان ولم يتجرّع لذّة تحقيق العدالة حتّى وقتنا الحالي.
بين وطن وغربة
لا تختار الكاتبة ريتا الباشا المصعد كمكان حصول الأحداث عبثاً. بل توظّفه ببراعة كرمز فنّي ومكاني يعكس الفصل بين خيارَين مصيريَّين: البقاء في الوطن بكلّ ما فيه من صعوبات، أو الهروب إلى الخارج بحثاً عن أمانٍ هشّ واستقرار موعود. حين تعلق يمنى داخل المصعد، هي لا تُحتجز جسديّاً فقط، بل نفسيّاً أيضاً بين عالمَين متناقضَين. المصعد هنا لا يصعد ولا يهبط، بل يتوقّف بين الطوابق، تماماً كما تتوقّف يمنى بين قرارَين لا رجعة فيهما. الدّاخل يمثّل العزلة والغربة والخوف من مواجهة الحقيقة، أمّا الخارج، حيث يقف رالف وسيمون، فيمثّل التّمسّك الصّعب والمؤلم بجذور الوطن، رغم ما يحمله من خذلان وخسارات.
أما باب المصعد المغلق فلا يُفهم فقط كعائق مادّي، بل كرمز لحاجز نفسي يفصل الإنسان عن قراره، عن ماضيه، وعن ذاته. هذا الباب الّذي لا يُفتح بسهولة، يعكس عمق الصّراع الدّاخلي الذي تعيشه شخصيّات المسرحيّة، وهو صراع لبناني بامتياز يتأرجح بين الانتماء والرّغبة في النجاة. وبينما تسعى يمنى إلى الخروج، يبدو وكأنّ سيناريو المسرحيّة يقول بصوتٍ خافت وواضح في آن: القرار بالرّحيل أو البقاء ليس بمسألةٍ سهلة، بل مسألة وجوديّة، متجذّرة وشائكة، كتشابك المصير اللّبناني نفسه.

